السبت، 29 سبتمبر، 2012

نصر الشناوي

لم أكن أريد أن أكون متوقعاً إلى هذا الحد!
أن أروي عن أبي قبل أن أروي عن غيره من الوجوه، أمر متوقع جداً بالطبع، لكنه الأوفق بالتأكيد..
فقرب العهد به ورحيله عن عالمنا هو سبب، والسبب الآخر هو أن ما سوف أرويه عنه، سيفسر كثيراً مما سأرويه عن غيره!

بالطبع، فالأب هو النموذج الأول لكل طفل، عما يجب أن يكون عليه الرجل، وما يجب أن يكون عليه عندما يبلغ مبلغ الرجال، وهكذا كان أبي لي.
أنا أول أولاده، ابنه الأكبر، رأيته في الثلاثينيات من عمره عندما كنت طفلاً، كان شاباً لا يزال، رياضياً مفتول الساعدين، يعرف كل شئ، كاعتقاد أي طفل عن أبيه..لكنني حقيقة أرى اليوم، كم كنت محظوظاً بأب يعرف ما عرفه أبي، رغم أنني أعلم أنه لم يكن يعرف كل شئ كما ظننت يوماً!

يأخذ الفتى عن أبيه فكرة عامة عن الحياة، منها ينطلق ولا ينفك عنها إلى مماته، كما يأخذ عنه شيئاً من سمته وسلوكه، إن أكثر ما يذكرني بأبي هو أنا، تصرفاتي العفوية، يقلد صديق لي طريقة كلامي ممازحاً، فأجده يكرر بيديه حركة طالما رأيت أبي يؤديها في نقاشاته الجدية، وفي وقت أقع تحت ضغط ما أجد نفسي أكرر عبارات قالها، وانفعالاته..

كذلك فأثره واضح جدًا لي في كثير من مواقفي اليوم، أبرزها اتجاهي للقضية الفلسطينية ودعمها، يسألني الناس، لم أنت مهتم بهذه القضية؟..أسرد كل ما لدي من حجج فأجدها معروفة ولا حاجة لسردها!..ولا رد لديهم عليها أيضا لكنهم يسألون..وقتها أعرف أن الأمر فقط، هو أنهم لم يحظوا بما حظيت به!..

دعني أقول لك يا صديقي، وبغض النظر عن تمرد الأبناء الدائم، تحت شعار (لن أعيش في جلباب أبي)..إلا أنك -يا فتى- تحاكي جلباب أبيك في كثير من سماته، يوم تفصّل جلبابك الخاص!..وإن لم تفعل، فقد قصّر أبوك في حقك ولا شك!


أفكر أحياناً، أسأل نفسي "ما أهم ما فعله أبي لي؟"، فأجد كثير من التصرفات يمكن اختصارها في "صحبته لي منذ الصغر"..
اصطحابه لي لممارسة رياضة الصباح، مع أصدقائه الـ(كبار)..
اصطحابه لي إلى مجالس الرجال، عضواً مشاركاً كأي أحد منهم..
قراءتي لكتبه ومجلاته الجادة منذ صغري، نقاشه لي الذي لم يكن يمانع أن يلعب فيه دور المتعلم أحياناً، فيسألني في المسألة أو يطلب مني أن أبحث له في أمرها..
عندما أنظر خلفي أتساءل، هل فعل ذلك لأن أحداً علمه أثر هذا الأمر تربوياً؟..أم أنه فخر الوالد الفطري والطبيعي بأبنائه؟


ان أكثر ما أنا ممتن له هو هذه الصحبة، أذكر كيف كان يوقظني في صباحات بعض الأيام باكراً، لأركض معه في الشارع، أو لنذهب سوياً إلى ملعب الكرة حيث كان يلعب، لاحقاً، تمردت على صحبة أبي كما يفعل كل مراهق، ابتعدت بقدر ما، لم أحب كرة القدم، فبحثت عن ألعابي الرياضية الخاصة بي، شجعني أبي، وربما انضم هو إلي، وبحثت عن أتراب لي، لكنني إذ أنظر ورائي أجد أنني يوم اتخذت لنفسي صحبة، صرت وإياهم كصحبة أبي وأصحابه!

لم ألعب لعبته لكنني ألعب كما لعب، لم أصادق أصدقاءه لكن اخترت صداقة من يشبهونهم، لم أصبح هو، لكنني -بكل فخر- ابنه!

مخطئ ذلك الذي قال (إن كبر ابنك خاويه)..كلا يا سيدي، لا تنتظر حتى يكبر، إذا كبر فسوف يتمرد عليك، أدرك صداقته منذ صغره!
عرف أبي ذلك، فكم أنا محظوظ!

قامت ثورة 25 يناير ولأبي ثلاث أبناء شباب، في ثلاث مدن من مدن العالم الواسع، لكن كل واحد منهم نزل إلى ميدان مدينته بلا اتفاق بينهم ولا تشاور ولا استئذان، وكان من نصيب الأصغر أن يكون في ميدان التحرير..هم ثلاث أبناء، إن كان فيهم من الخير شئ اشتركوا فيه، فمن زرعه هو رجل واحد..
رحمة الله عليه..