السبت، 17 نوفمبر، 2012

البحر وأهله


ساحليّ بالولادة، كل مدينة قدّر لي الحياة فيها كانت ساحلية، على تعدد أسماء البحار، لكنها جميعاً متصلة، هو الماء، سطح واحد يغطي هذا الكوكب..

لأهل الساحل طابعهم الخاص، وبينهم كثير من المشترك، ليس الأمر أن تشارك صديقاً قاهرياً مائدة ليعلق بتذاكٍ عن طريقة أكل أهل الساحل للسمك، فتضحك في سرّك إذ صرت سفيراً لأهل الساحل عند صديقك الذي صار يعمم كل ما يرى منك على أهل الساحل..

ولا أن تسعد بمؤاكلة ريفي يترك لك كل (الجمبري، الروبيان، القريدس) ناظراً إليك شذراً بينما تلتهمه وحدك بكل استمتاع..

ولا أن يدعوك صديقك البدوي الأصل لمائدة من سرطانات البحر لتعلمه (كيف تؤكل هذه؟)

ولا حتى أن تنفجر ضاحكاً لتسمية فتاة جبلية الأصل سرطانات البحر بالـ(عقارب)

كل هذه مظاهر لا أكثر، صحيح أنها تعبر عن جزء هام من ثقافة أهل الساحل وعاداتهم، وأحد المشتركات بين ثقافة أهل السواحل في كل بلاد العالم، لكن ثم آثار أكبر في توجهاتهم وأفكارهم، فهم بوابات بلادهم إلى العالم، هم الأكثر انفتاحاً وأقل محافظة وأقل تعصباً، كما شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته..

هم كذلك حماة البلاد وخط دفاعها الأول دائماً، ولا سيما هم في تاريخ الاسلام، المرابطون الأبطال، وأهل الثغور، أجر شهيدهم بشهيدين من مجاهدي البر، هم الأبطال الذين سطّروا الملاحم..من حالهم ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الاسكندرية، وما عرفت به طرابلس الشام وصيتها في الجهاد، وعكا وحيفا ودمياط والسويس وبورسعيد، كما غزة تسطّر مجدها إلى اليوم منذ سنين..

هناك عند الساحل، هواء نظيف، وبشر يعتاشون على ما في البحر من كنوز، طعام وملح وتجارة وحلي، نعمة امتن الله بها على عباده لا يعرف قدرها مثل أهل الساحل..فهو سبب غنى أقوام وذل آخرين، في أصعب أيام حصار غزة، كسر الحصار بحراً، وروسيا العملاقة لا تجد سواحلاً صالحة للملاحة إلا في البحر الأسود، لتكون تحت رحمة تركيا التي تسيطر على البوسفور، وعيون العالم مصوبة على مصر، يخشى من أي توتر يعطل السير في قناة السويس، شريان العالم..لذا يعلم قادة الدول أهمية البحر كما يعلم أبناؤه..

هناك عند الساحل تمتلئ البلاد بالغرباء، يعيشون جنباً إلى جنب مع أصحاب البلاد، يبقى بعضهم ويرحل البعض، يشكلون مزيجاً ثقافياً واجتماعياً ثرياً، لطيفاً، مرحباً بالآخر دائماً، بينما تختفي، أو تكاد، بينهم القبلية والعصبية المقيتة، هم أكثر تواضعاً، لأنهم أكثر علماً، هم انفتحوا على العالم وخبروه، فلم يعيشوا وهم الشعب المختار، وقد رأوا كيف أن لكل قوم علم وفن..

وبعد، يصمهم البعض افتراءً، عن جهلٍ او حسد، فمن يخشى البحر يصف البحر بالغدر بدلاً من الاعتراف بجهله به، وكذا يوصم أهل الساحل كما وصم بيتهم، أو يوصمون لأنهم ليسوا أنقياء العرق، وكأن نقاء العرق مقصد في حد ذاته لأي سبب، أو يهملون في بعض الأقطار، ببساطة لأن الحاكم يفضل دائماً أن تكون عاصمته بين الأكثر تعصباً وحماسةً له، وهم غالباً ليسوا أهل البحر، الطموحين المتطلعين لبلاد الناس وأحوالهم، القادرين دائماً على مقارنة ما أعطاهم الحاكم وما يعطاه غيرهم في بلاد الناس..

لكن ما عليهم من كل ذاك؟..أن تكون ساحلياً، سيعلمك أن تكون كما البحر قادراً ببساطة على تجاهل كل سفاهات الآخرين، تماماً كما لا يغير ماء البحر اساءاتك ومخلفاتك، فهو أكبر من كل اليابسة، وهو من يحمل الدرّ في باطنه، وهو من لا غنى لك عنه!!