الخميس، 14 فبراير 2013

ارتقى الشهداء على رقاب السفهاء

بعض الناس يغلب على ظنك كونهم الشهداء حقا، لأن موتهم يكون من الأحداث الكاشفة، تلك التي تظهر معادن البشر وقيمهم في الحقيقة..
عندما بلغني خبر استشهاد محرز، كانت لحظة إعصار بالنسبة لي..
لم أعرف محرز أبدا بشكل شخصي، غلب على ظني أنه أحد من تابعت يوما من المدونين، كان بيني وبينه كثير من المعارف المشتركين، أثار اهتمامي ما بلغني أنه يفعل، وربما تمنيت يوما لقاءه..

لقد كان هنا، يشبهني، حياته كحياتي ووجهه كوجهي..خاض في كل ما خضته، لم تفرض عليه المعركة ولم يأتيه القتال إلى بيته، مثلك تماما، خطوة واحدة هي الفاصل، هاقد اتخذها أمامك وعلمت أنها ممكنة..لقد قطع كل عذر اعتذرت به لنفسك من قبل، وتركك أمام الحقيقة العارية: لست إلا واحدا منهم مهما كرهتهم، فيما هو هناك، في معسكر من تمنيت أن تكون معهم!

كيف استطاع أن يكون حرا، كيف استطاع التحليق بهذا البعد؟!..
إنه لم ينخدع ببريقها الزائف، هذه الأصنام، الحدود التي رسمها سفهاء على الأرض ثم عبدوها، وداس البشر على رقاب بعضهم البعض لأجلها، و(النظام) الذي أقرّوه داخلها..الوظائف (المرموقة)، والأموال الزائفة المصروفة في صورة سندات، والطعام الذي نتذلل لانباته ثم نتذلل لأكله، صاغرين..أليست هذه هي الدنيا التي نخشى خسارتها؟!
أليست هذه هي الحضارة، والتقدم؟..أليست هذه الأصنام هي ما منعت تقدمي سفيه أن يتألم لمقتل الآلاف لأجلها، وأن يقول ما يشبه التشفي عن انسان التقت عيناهما في أغلب الظن مرارا، وتجاورت أكتافهما في النضال، ويذهب مؤيدا ساجدا لطاغية لأنه يحميها؟!
لقد خاضها محرز أكثر مما خضتها، وكان له منها مثل ما كان لي وزيادة..لكنه ظل حرا!..كأنما مشى إلى بغيته فوق رقاب العبيد السفهاء، كي لا يلوث وحلهم الذي خاضوه ثوبه..

لقد كنت أستغرب حالي وأتفكر من قبل، لأي شئ أتطلع؟..حتى لحظة بلوغ خبر استشهاده كنت أظن أنني راض عن حياتي تماما..لكنني كنت أتخيل نفسي في حيوات أخرى غير هذه التي أحياها، لماذا؟..لم أعرف إلا اليوم..لقد زلزل سلامي الداخلي ورضاي الظاهر، لم يخلق الانسان ليستعبده انسان آخر، لا باسم الدولة ولا النظام ولا الوطن والمجتمع، وقت أن تصبح مواطنا صالحا، اعلم أنك صرت عبدا مطيعا..
لا بأس أن يزلزل سلامك الداخلي..ربما لم يفعل خبر استشهاده شيئا سوى أنه زلزل هذا الرضى، ويكفيني منه هذا المعروف..