الاثنين، 14 مايو 2012

نعم، أتغير...

من قبيل الصدفة وجدت سلسلة قد بدأت منذ أيام للدكتور سلمان العودة، بدأت بحلقة عن التغير الذي يعتري البشر..واستعرت عنواني من وسمه الأول..
قُل لِمَن يَبكي عَلى رَسمٍ دَرَس واقِفاً ما ضَرَّ لَو كانَ جَلَس
هكذا سخر أبو نواس من امرؤ القيس، في قوله (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)..يبدو لي أبو نواس أهوجاً لا يقدّر جلال اللحظة والوقفة!

تلك الوقفة التي يقفها كل منا لينظر لما وراءه، لن ترى بعيدا إن كنت جالسا يا أبا نواس!..قف لتنظر إلى كل ما وراءك يا رجل!..كل ما فاتك وكل ما ضيعت..انظر كيف كنت جاهلا، وكيف أصبحت اليوم.

إن وقفت هذه الوقفة بصدق، فصدقني، لن تكون اليوم أبدا مسكونا بالثقة، إذا رأيت كل أخطاء الماضي، والتي ارتكبتها بكل ثقة واصرار وكل ما دافعت عنه بثقة عمياء، فلا شك يا صديقي أنك تعلم أنك -لا تزال- نفس الشخص، وموقفك الجديد قد لا يختلف في صوابه وخطئه كثيرا عن كل هذه السفاهات التي دافعت عنها قديما!

هل كانت الثقة تريحك؟..ربما!..فذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم، كما قال المتنبي، والراحة ليست مما يتمتع به أصحاب العقول، فالعقل ميزة يتمتع بها الانسان، وهذا الانسان قد خلق في كبد!
مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائما، أما الحكماء فتملؤهم الشكوك - برتراند راسل
ربما لذلك تجد دائما، ذلك الفارغ المنتمي إلى عصر فاشل، يقف منتصب الهامة ويعطي الوعود بلا حساب، تعلم أنه لن يفعل، يتكلم عن انجازاته السابقة في عصر لو كان فيه انجاز لما وقف اليوم مثل هذا الموقف أصلا، وعوده وهمية كانجازاته وحججه أتفه من أن تناقش، لكنه قادر على التبجح بها طوال الوقت!..تعلم يا صديقي عمن أتكلم، لا تتصنع البراءة،  ولا أظن أحدا يرى ما أراه يريد أن يكون مثل هذا الشخص..

لذلك توقف وانظر لما خلفك، انك في مأزق حقيقي يا صديقي إن لم تمتلئ بالشك، كم شخص كان مثلا يحتذى في حياتك سقط؟..كم شخص كان في عينك نجما، انطفأ؟
كم فكرة دافعت عنها منذ ثلاث سنوات، صرت تراها اليوم سطحية سفيهة؟..كم تصرف كنت لتفعله منذ خمس سنوات، صرت اليوم تراه سخافة؟..
كم شخص كنت تستمع إليه كالتلميذ، صرت اليوم ترى ما يقوله (غير مفيد) أو (لا جديد فيه)؟

لا تخطئ خطئي بتحريك رأسك موافقا لكلامي بينما لا تشعر بما أقول فعلا!!..هكذا فعلت أنا في أول مرة قيل لي هذا الكلام!
اقلق يا رجل، أنت الآن على مفترق طرق، إذا كنت تشعر بما أقول، وانتابك الفزع وأنت تنظر وراءك وتستعرض ما جرى وكيف كنت، فانتبه ألا ضمان لك بأن لا يكون عقلك الجديد -أيضا- سطحيا، سفيها خاطئا، لا تكن واثقا اليوم كثقتك في نفسك أول مرة، فلا زلت نفس الشخص يا صديقي، لا تزال نفس هذا الانسان..أما إن كنت لا تشعر بهذا الفزع فمصيبتك أعظم!!..ماذا تعلمت من سنوات عمرك إذاً وأي تغيير أحدثته فيك الأيام؟!

افترض الآن يا صديقي أنك قد وصلت إلى حالة من ثلاث، كلها غير مريحة، سامحني لم أحذرك قبل القراءة، عمداً، حتى لا تعيش بسلام..

فأما الحالة الأولى: أنني دفعتك للتشكك أخيرا، ورغم أنني هدمت سلامك الداخلي، إلا أنك ربما ممتن، هكذا أشعر تجاه من فعلوا بي هذا ولا تسألني عن التفسير، ولا تسألني ان كنت الآن على الطريق الصحيح..

وأما الثانية أن أكون قد أعدتك إلى شكك القديم، شك في شكك يا صديقي..هل تغيرنا إلى الأفضل فعلا أم إلى الأسوأ؟
هل ظلمنا من أسقطناهم من حساباتنا؟..هل تكلموا بالصدق فرفضناه اتباعا للهوى؟..
وإن كنا على صواب، هل من نوليهم ثقتنا اليوم وأحطنا أنفسنا بهم، على صواب أيضا؟
هل ما نسخر من سطحيته اليوم هو صائب في بساطته؟..هل نحن نضلل أنفسنا بالتعمق؟..لا تغتر بعمق فكرتك (إن كانت عميقة بالفعل)، وانتبه، فقد لا تدرك عيناك الفرق بين فكرة عميقة وفكرة عقيمة..

إنك لست حكيما -بالضرورة- يا صديقي المتشكك، فكل حكيم متشكك، وليس كل متشكك حكيم، لكنك بالضرورة في مأزق، كما هم كل الناس..

وأما الثالثة، أنك تتمنى قتلي، حتى لا أقول هذا ثانية، وليبقى عالمك بسلام لا ينغص صفوه أمثالي، معسكرك كبير على أي حال فلا تتعب نفسك بمهمة قد يقوم بها عنك ألف ألف واحد..والسلام..

هناك 10 تعليقات:

  1. أحد الحكماء المصريين :)
    "لذلك توقف وانظر لما خلفك، انك في مأزق حقيقي يا صديقي إن لم تمتلئ بالشك، كم شخصا كان مثلا يحتذى في حياتك سقط؟..كم شخص كان في عينك نجما، انطفأ؟
    كم فكرة دافعت عنها منذ ثلاث سنوات، صرت تراها اليوم سطحية سفيهة؟..كم تصرف كنت لتفعله منذ خمس سنوات، صرت اليوم تراه سخافة؟..
    كم شخص كنت تستمع إليه كالتلميذ، صرت اليوم ترى ما يقوله (غير مفيد) أو (لا جديد فيه)؟"

    بغض النظر أن التغير أمر حتميّ ..
    التغير أمر مؤلم ، لأن الشك مؤلم .. أن تشكّ بما آمنتَ به دوما .. سيحيل حياتك جحيما
    و لطالما أغبطتُ أولئك الـ"أغبياء" الذين هم فقط يملكون يقينا لا مثيل له
    لكن التغيير أحيانا يكون قسريا، فنحن اليوم كأننا في حاجز بين بعدين مختلفين .. لكل منهما له منظومة قيم مختلفة
    ففي بعد كانت نظرة غاضبة في "قفا" الحاكم الظالم شجاعة .. اليوم لا يكفينا سوى ما هو أكثر من ذلك بكثير !
    في زمن كان الهاتف " أبو لمبة" هو التكنولوجيا .. اليوم الهاتف الذي ضرورة حتمية ..
    صعب جدا أن يتغير الزمن و كل ما حولنا .. و لا نتغير بالتوازي
    يمكننا أن نغمض أعيننا و ندعي العمى .. قلت ندعي .. لأنني شخصيا لن أستطيع التمثيل كثيرا
    لا يمكننا أن نعيش في بعد، و في دواخلنا يكمن بعد آخر ..
    هذا ما فعله سيدنا إبراهيم حين حطم الأصنام .. هو لم يحطمها كأحجار فقط .. بل حطمها كأفكار و موروثات داخل الناس .. و زرع بذرة الشك !
    الشك هو الخطوة الأولى نحو اليقين .. و هدفنا ليس أن نصل، يكفينا شرف المحاولة

    ردحذف
    الردود
    1. مثال سيدنا إبراهيم اضافة رائعة، لهذا ما إن شعر عبدة الأصنام بالتهديد لعالمهم، هبوا للدفاع عنه بجبروت لا مثيل له..شكرا لمرورك :)

      حذف
  2. الطريق للتغيير يبدأ من لحظة اصغاء للنفس و صدق و شفافية معها و محاولة معرفة خفايها من محاسن و عيوب، و الأشخاص الذين يرفضون التغيير اعتقد بأنهم لا يصغون الى انفسهم، لذلك تجدهم منغلقين مغترين بذاتهم و يصرون على خطئهم و هؤلاء للأسف نهايتهم مؤلمة.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا دانية، مقاومة التغيير بالفعل مبدأها من عدم الاصغاء، وليس للنفس وحدها، وانما حتى للآخر..

      ذلك الانسان الأحادي المنغلق، الواثق بشكل غير مبرر بما عنده وما فهمه، أو ما ورثه عن الآباء، ذلك الذي لم يتوقف للحظة ليشك، لن يصغي بالطبع لأحد..فهو يملك من الكبر ما يكفي ليسد أذنيه عن كل العالم، ويمر بالحياة دونما أثر، كأن لم يعشها أبدا..

      أشكر مرورك الذي تشرفت به :)

      حذف
    2. شكرا جزيلا لك :)

      حذف
  3. لا أبالغ ان قلت انها من أجمل ما قرأت ,ليتني استطعت ان اوصل فكرة (الشك) هذه في نفس كل من لا يشك في ضرورة صحة قوله او اعتقاده, هذا الذي يوذي نفسه قبل أن يؤذي مجتمعه !

    على كل,استفزتني مقالتك للتفكير في ماهية الثقة بشكل دقيق بغض النظر عن مدى تشبعي انا بما اعتقدت ...
    عندما افكر في ماهية الثقة فورا يتراءى لي انسانا متزنا ..واثقاً..
    الثقة التي تتيح له قبول أو رفض أمر ما بأريحية ..
    الثقة التي تجعله يشك في ضرورة صحة معتقده..
    أن يثق في أنه بشرا يحق له أن يخطئ كما يصيب!.. ومن ثَم ادراك خطأه..
    الثقة التي تجعله يقول شيئا ويثق في إمكانية إقلاعه عنه يوم يدرك خطأ تقديره له !
    الثقة ليست أن يكون متصلبا متعصبا, او ان يكون مائعا!.. بل أن يكون متزنا بين حسم ومرونه يحيلاه لأصوب قرار يراه الأفضل ..لحين ظهور او اكتشاف جديد..!..فهو لا يزال يبحث عن الأصوب والأحق دائما..
    ثقته التي تنبع من مدى ادراكه لماهيته ,قدراته التي بالطبع لن تتجاوز بضع تقديرات من صنع رأسه غير المعصومة !

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لاضافتك وإطرائك، سعيد بمرورك :)
      ما تصفينه هو ثقة في الذات، وكون النزول على الحق متى ما تبين لي وتغيير قولي لا ينقص من قدري..
      هو يختلف عن ثقة المرء غير المبررة في قوله، وفي رأيه..
      الفكرة هي فيم تثق؟..

      حذف
  4. ليس الأمر كذلك ..لكني احببت ان اوضح ان (ما وصلت له ) فيما يتعلق بمفهوم (الثقة) و(ماهيتها) لابد (مشكوك فيها:D) -او هكذا أرى- شيء حَسَن .. فيما عدا ذلك وما ألمحت أنت له أعدّه ضربا من الغرور لا أكثر ..
    ومادون الثقة الحسنة أعده ضربا من التردد كذلك ..

    ما أردت قوله هو ان الواثق ..هو ذاته المشمر للحق وقتما يراه حتى وإن تصادم مع ما كان يعتقد به يوما .. ثقته السويّه تحيله لأن يفكر في إمكانية خطأه بالتالي في إمكانية اقلاعه عنه والاعتراف به قبلا ..

    بالتالي ذلك الواثق هو متشبع بنسبة من الشك, تلك التي تؤرق ثقته المطلقة.. لتصبح الفكرة عنده دائما محط نظر ..
    لكن أزعم أنه ضروري أن تكون نسبة الثقة فيما يعتقد ويؤمن سوية بقدر ما يقدّر كل مرء لنفسه بحيث لا يقع في قالب التردد

    لابد أن يقرر, ولابد أن يضع قراره نصب عينيه ويدرس مدى صحته من خطأه , ومن تَم التعلم ..
    كما لابد أن يدافع عن فكرته التي يؤمن بها ثم يعود ليناقشها ويحللها ويضبطها مع نفسه ولا يفتأ عن هذا

    اما دون ذلك الذي تذكره, ذاك الذي يتحدث عن فكرة بثقة دعني اقول انها شبه مطلقة, هو في نظري مغرور اصلا وليس واثق ..

    لعلّ في الثقة مستويات حتي أن منها الثقة السوية الحسنة التي ربما أدافع عنها الآن :)

    الآن..وبعد ما كتبت ..
    أقول أنه ربما انا لم أفهمك بالقدر الكافي لكتابة تعليق يلائم تماما ما كتبت..!
    أو أني أفهم ما ترمي إليه بالقدر الذي قد يجعلك لا تؤمن ببساطة مدى ادراكي له..
    لكن اخيرا أزعم ذلك الأخير, وقررت لإثره أن أكتب ما رأيت , وهو محط تفكير فيما بعد :)

    ردحذف
    الردود
    1. آه آه طبعا :)
      بالطبع ما أشير إليه هو الغرور :) لكن فقط لألطف اللفظ، أقول ثقة زائدة، ثقة غير مبررة :D

      حذف
  5. طب والمصحف منا رادد :D

    ردحذف