‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكري وثقافي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكري وثقافي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2024

بينما كنت أقطّع البطيخة

 

تذكرت مسرحية قديمة "الزعيم" عندما كان عادل إمام يدعو للحاكم بأن ينال كل المشتهيات، من وجهة نظر شخص بسيط، فخيار وجزر ومانجا وبطيخ..ولمّا أراد المبالغة، وخلق نعيم أرضي غير مسبوق عقّب قائلا "منغير بذر!"

قمّة النعيم المتخيّل في ذهن مواطن مصري بسيط من الثمانينيات أو التسعينيات، أن يأكل البطيخة فلا يجد فيها البذر، لأنه مش معقول "الزعيم لسة هيتفتف"!

لا أعلم إن كان عادل إمام نفسه كان يعلم أن هذا الصنف متاح في الأسواق حديثاً وقتها (منذ خمسين سنة لليوم)، لكننا لم نعلم يومها أن هناك بطيخ هجين لا يحمل بذوراً..وظللنا نضحك على النكتة لسنوات، نكتة لا أحسب أن طفلتي يمكنها أن تفهمها يوماً، لو سمعت بها أصلاً.

قادني هذا إلى تأمل حال أهل هذه البلاد، عندما أتيت إلى الولايات المتحدة، لأول الأمر، كانت من أولى ملاحظاتي أن الـconvenience قتلهم!..إن هذه الكلمة لا أعلم لها نظيراً في لغتنا، هم يترجمونها بألا يقاطعك شئ..فحتى البذرة، لا يجب أن تقاطعك عن أكل البطيخ!

يقاطعك عن أي شئ؟..يا "سير"؟!..حقيقة لا نعلم..فالكل يبحث عن هذا الـ convenience، حتى في النزهة والاستمتاع بوقته وأكل البطيخ.

لا يتقبل الناس هنا فكرة أن الدنيا لا تصفو لأحد، وأن كدر الحياة هو جزء منها، لذا يسعون لانشاء فردوس أرضي لا يظنون أنهم سيلاقون غيره، ورغم أثر ذلك على مفردات الحياة المادية، من سعيهم للتحسين المستمر فيها، لكنه في المقابل خلق لنا إنساناً لا يطيق ولا يتحمل أن يسمع كلمتين، أو أن يفكر في موضوع ما أعمق من ظاهر الحياة الحالية، أو يسمع عن قضية لا تؤثر على مفردات حياته المادية الضيقة، أو حتى في بعض الأحوال، أن يبني علاقات وصداقات..ناهيك عن أن يتجاوز عن تقصير في خدمة أو يقيل عثرة مخطئ.

بالنسبة لكثير من الأمريكيين، أو ربما الغربيين على عمومهم، فاستيقاف داعية لك في قارعة الطريق، أو قس، هو inconvenience، وكثيرا ما تجد لوحات "ملكية خاصة، ممنوع التبشير" حتى لا يطرق بابك داعية ما إلى دينه ويكلّمك..لا تضيّع وقتي!..أرجوك!

بالطبع، فالرأسمالية تلعب دورها في ذلك، فأنت، يا زبوني وعميلي العزيز وبقرتي الحلوب، أنت أول الأولويات، نحن هنا لخدمتك وتدليلك ولنسقيك من متع الحياة "مادام حتدفع"، متع الحياة التي لم تكن تدرك وجودها أصلاً كما لم تكن تدرك أن لدينا بطيخاً بلا بذر وأناناس وردي (لا ميزة له سوى التفاخر) وشراباً أزرق فوّار بطعم التفاح (كان تقليعة مراهقتي، هل لازال موجوداً؟)، سنحل لك المشاكل التي خلقناها نحن لتشتري الحلول، ونلبي لك الرغبات التي لم تكن لترغب فيها ابتداء لولا أن رغّبناك فيها.

وكما هو حال كل الناس، فمنهم من ولغ في هذا المستنقع إلى آخره، ومنهم مستبصر أدرك المشكلة وحجمها وانطلق يبحث عن حلول من مقل ومستكثر، فمن حِكَمٍ تبدو لك سطحية عندما تسمعها من سياقات خارج حياة الغربيين من نوعية "اهتم واستمتع بعلاقتك بأسرتك فهم أهم من أي شئ آخر"، مروراً بفلسفات واطروحات اقتصادية وسياسية بديلة، وصولاً للبحث في العقائد والأديان..وكثير منهم يتمنى لو كان حاله مختلفاً، كثير منهم يتمنى لو أن لحياته قضية تتجاوز المادة الظاهرة، كثير منهم يتمنى لو أنه كان أقدر على بناء علاقات إنسانية أعمق من علاقات مندوبي المبيعات ورجال الأعمال، لكن كثير منهم أيضاً وبعد أجيال طويلة، قد ضلّوا الطريق لحياة مختلفة!

أخيرا سقى الله أيام بيت جدي عامراً، لما جمعنا بذر البطيخ وحمّصناه وأكملنا عليه سهرتنا إلى الحادية عشرة مساء.

الأربعاء، 31 يوليو 2013

أكبر دروس 30 يونيو

أكبر دروس 30 يونيو في تقديري هو:

طول اللسان مفيش أسهل منه، في وقت مرسي كان النضال ضده ببلاش، والكلام عليه بالحق والباطل على السواء، لكن كان معظم ما أرى وأقرأ في هجائه ليس إلا تعليقات على مظهره، أو تصرفات عفوية صدرت منه لم تلفت انتباه أحد سوى متصيدي الاعلام المصري..

طبعا دي عبارة عن حركة بلدي قديمة جدا يلجأ لها المصريون كلما أرادوا (أو أراد بعضهم) اسقاط هيبة الفرعون، بالمناسبة قرأت عن مقلب يروى انه المصريين عملوه في الحاكم بأمر الله (شخصيا) أثناء مرور موكبه للسخرية منه..

وبغض النظر عن كون مستوى حرية التعبير، في الشوية اللي قعدهم معانا مرسي، كان استثنائي فعلا في كل تاريخ مصر ومكنش فرعون ولا حاجة..لكن نفس الحيلة استخدمت معه لاسقاط هيبته (وهو كان متخلي عنها ابتداء) ونجحت بسرعة..

الدرس: أنه طول اللسان مفيش أسهل منه، نفس الشئ يمارس اليوم ضد رموز الانقلاب، ومفيش بني آدم إلا وله صور ولقطات يمكن استخدامها للانتقاص من قدره وإيهام الناس بأنه معتوه أو طري أو ما شابه، حتى لو كان عبارة عن واحد متحدث عسكري قاعد يفطر مع إسراء عبدالفتاح مثلا..وممكن جدا تحرف أي اسم وتخليه شئ مشين حتى لو كان الاسم هو عدلي طرطو..قصدي منصور..

وده يا جماعة درس للمستقبل، يعني الاخوة الناجين اللي هيتبقوا في بلدنا بعد ما يعدي كل ده..يحاولوا يتعلموا يكونوا موضوعيين في أحكامهم وآراءهم، وانه التنكيت وخفة الدم شئ جميل لكن الفكاهة شئ، ومصلحة الناس والمجتمع شئ تاني خالص..

الخميس، 13 يونيو 2013

ترهات تعجبني!

منذ حوالي أسبوعين، صرت أجد في نفسي ميلا للكتابة كل صباح، أكتب مرتجلا كما أفعل الآن، وأنشر على فيسبوك ما يبدو أنه رسائل، أروي فيها خيالا وترّهات..يختلط فيها المكان والزمان وتقاتل من لم تعاصر في تفاعلات بين أطراف لم تلتق أبدا..

خلال الأسبوع الأول كانت التساؤلات تنهال علي، أحدهم يطمئن على قواي العقلية، والآخر يسخر، وآخر يجاريني ويتمادى، ممتع للغاية أن تكون مجنونا، في تلك اللحظة يباح لك أن تقول أي شئ وكل شئ، وعلى فكرة، ستجد من يصغي إليك أكثر ممن تجد عندما تتكلم بصوت العقل!

لا حد لجنون البشر!..ومن الواضح أن عليك أن تكلم هؤلاء البشر بلغاتهم!..

تجربة رائعة يبدو أنني سوف أستمر فيها لبعض الوقت..

الأربعاء، 13 مارس 2013

نحن وأبعادنا الأربعة

نحن .. وأبعادنا الأربعة

كتاب لجمال حمدان، عالم الجغرافيا والانسان..
حيث تصبح الأرض كائنا حيا يتلاعب ويناور، ويتفاعل ويتعايش..

صورة الخريطة الثابتة أمامك، سوف تتقافز في مختلف الأوضاع، تلتوي، تنثني، تهب الرياح وتتآكل الشواطئ، تنمو النباتات عليها فترى حشائش السفانا ومحاصيل البحر المتوسط كما ترى الحزام الاستوائي، ثم ترى البشر، يرتحلون، يتاجرون، ويتحاربون..

توقف..
تراجع قليلا، أعد هذه اللقطة مع بعض التغيرات، وأخبرني..
ماذا لو كان النيل أكثر استقامة؟
أخبرني ماذا لو كان البحر أقل عرضا من اتجاهك؟..حسنا ماذا لو كان النيل منسابا بلا جنادل ولا هضبة الحبشة؟..

من جيرانك الأقرب؟..ما المشترك بينكم؟
وإلى أي اتجاه يجب أن تنطلق، ومن أي منطلق؟
ومن أخطر أعداءك على الاطلاق؟..وأين تقع أخطر ميادينك لمبارزته ونزاله؟

ستجيب عن كل هذه الأسئلة التي تجيبك ضمنا عن السؤال الكبير: "من أنا؟"

يبحث جمال حمدان في أبعاد أربعة، فضاءات سياسية جغرافية وحضارية، وقعت مصر بينها، يحاول وزن ثقل كل من هذه الأبعاد، تأثيرها على مصر وتأثير مصر عليها، محاولا الوصول إلى شكل أمثل للعلاقة يتوجب أن يضعه الدبلوماسي المصري خاصة، والمثقف المصري عامة، في اعتباره..

فبعد آسيوي، وبعد متوسطي، وبعد نيلي، وبعد أفريقي، هي الأبعاد و"نقاط التماس" حول مصر، أما العروبة فهي هوية مصر وتوصيف ذاتها، وليست في نظر حمدان بعدا تتفاعل معه وإنما الذات، وهي ما نتعاطى مع أبعادنا لخدمته..

في الكتاب متعة علمية، وإمتاع للخيال، وحجج قوية، ربما يتهم جمال حمدان بتوجهه الفكري وأنه ربما انحاز عاطفيا لبعض الأطراف مبالغا في تقديرها، لكن الأكيد أن ما نقله من حقائق واستنتاجات قوية يبقي كتابه مبهرا، قيّما، قوي الحجة لحد بعيد..

السبت، 5 يناير 2013

امتهان

لفظة دارجة في أكثر من سياق، لطالما تأملت في أمرها، وكيف اجتمع هذا المعنى بذاك!

في لسان العرب، مادة "مهن"، نجد:
"المَهْنَة والمِهْنَة والمَهَنَة والمَهِنَةُ كله الحذق بالخدمة والعمل ونحوه"
(والتشكيل من موقع الورّاق)
وفي نفس المادة:
"وامْتَهَنْتُ الشيء: ابتذلته. ويقال: هو في مِهْنةِ أَهله، وهي الخدمة والابتذال"
وآخر المادة:
"وقال أَبو إِسحق: هو فَعيل من المَهانةِ وهي القِلَّة، قال: ومعناه ههنا القلة في الرأْي والتمييز. ورجل مَهِينٌ من قوم مُهَناء أَي ضعيف. وقوله عز وجل: خُلِقَ من ماءٍ مَهينٍ؛ أَي من ماء قليل ضعيف."
 وكل شئ وعمل وأحد، هو معرّض للامتهان بمعانيه المختلفة، لا جديد في ذلك بالطبع، لكن ماذا عندما تمتهن الأفكار والقيم وحتى المشاعر؟
عندما تمتهن القضايا الكبرى، الثورة، والرياضة، وحتى الفن والأدب..كيف يكون الأمر؟..وكيف يكون بلا امتهان؟!

نقول: التخصص مطلوب للاتقان، وامتهان العمل والتفرغ له، وأن يكون مصدر دخلك، هو سبب للتوسع فيه ومنحه قسماً أكبر من وقتك وجهدك وحرصاً أكبر على الاتقان، كل هذا صادق وحقيقي، ولا أظن أحداً يجادل فيه..

إلا أن لذلك المتقن المتفرّغ وجهاً آخر، فممتهن العمل يسعى لرضاء مشتري عمله، فإن كان حداداً، صنع ما يحتاجه الناس ويرضيهم جودته ليشتروه، وإن كان نجاراً جوّد عمله ليطلبه الناس ويدفعوا له، وكذا، يكون مع الفنان والكاتب وحتى الداعية، فكثيراً ما يتماشى مع رغبة الناس وما يرضيهم، ذلك لأنه (امتهن) الفن أو الكتابة أو الدعوة..

لقد وقعنا -حقيقة- بين خيارين أحلاهما مر، في نمط حياتنا الحالي:
فداعية (امتهن) الدعوة، فهو يملك أدواتها حقيقة، يجيدها، لكنه لم يتصدر المشهد يوم تطلب منه كلمة حق خوفاً، أو مالأ الظَلَمة طمعاً..وهو في الأغلب يمالئ جمهوره، يسمعه ما يرضيه حتى لا ينفضّوا عنه إن أسمعهم رأياً غريباً ينكرونه..
أوداعية يقتطع من وقته وقوته ليحاول الإصلاح حقيقة بما يراه الحق، لكنه لا يجد طريقاً لضيق وقته أو قلة مهارته..

وفنان (امتهن) فنه، وتفرغ له ولتطوير أدواته وعمله، تسخّر له الامكانات وترصد له الأموال ليخرج عمله جميلاً، مبهراً..لكنه صار يعمل حسب توجهات (السوق) مهما كانت، فهذه الأموال لا ترصد له عبثاً!
أو فنان مخلص لفنه قد استغنى عما يدرّه من دخل ولا يسعى فيه إلا لأن يكون معبراً عنه..يختطف من زخم الحياة ساعة، ليعبر فيها عن نفسه ويمارس ما يحب، فإن عرض له أمر ما يتعلق بأمر معيشته قدمه وأعطاه الأولوية..

قل نفس الشئ عن الثوري والمناضل والحقوقي والأحزاب السياسية وحتى المقاتلين أحياناً، قل نفس الشئ عن الكتاب والأدباء، قل نفس الشئ عن كل من امتهنوا القضايا الكبرى، نحن اليوم غالباً مخيرون بين البراعة والإبهار، أو الصدق مع الفقر..

 اننا -بهذا الشكل- نمتهن جميعاً هذه الدنيا، ونموت بعد أن نمل ابتذالها الذي ابتذلناه لها..لا بد من طريق وسط، ولا شك أننا إن وجدناه ستعود لهذه الشعوب حيويتها وقدرتها على الإبداع..

الأحد، 23 ديسمبر 2012

من أعمالكم..

يصلني رابط فيه فيديو ممنتج لأحد المشهورين بالدعوة، امتلأ الفيديو بالسباب والخطاب الهجومي، جمع من كلامه على مدى أشهر وربما سنوات، منذ بدأ هذا الداعية اعتماد أسلوب التدوين المرئي، أشاهد الفيديو في أسف، أضحك في بؤس لأقول: "من أعمالكم سلط عليكم"
***
يحدّق الرجل في الكاميرا بشكل حاول أن يكون مخيفاً، فخرجت النتيجة مضحكة، أنا أعرف جيداً فيم يفكر، لقد مررت بكل هذا من قبل، لقد نال من مراهقتي مساحة كبيرة، في ذلك الوقت عندما كان الاسلاميون طرفاً مستضعفاً قد تسلط عليه ضغط نفسي وأمني كبير، سخرية وتسفيه وتهم تفرد لها ساعات طويلة في قنوات الاعلام وصفحات من المجلات والمطبوعات الرسمية وشبه الرسمية، فيما لا مجال يترك للرد، في هذه الحالة، وعندما كنا بهذه النفسية المأزومة، كان يرضينا أن نسمع من يرد قولهم، ويسفه عقولهم، ولم يكن لدينا إلا منابر الدعاة والمشايخ، ثم تسجل أقوالهم في شرائط الكاسيت، وتحول إلى ملفات رقمية تصبّر هؤلاء الشباب على ما يلاقون من أذى، يصبّرهم لا شك أن يسمعوا هذا الرجل يهزأ بتلك النسوة الجالسات بملابس غير محتشمة ليتحدثن في سفاهة في أمر "التين" (الدين)، ويرد على ادعاءاتهن التي لم تكن تستحق الرد أصلاً، لولا أن مشاعرنا قد تأذت فاحتجنا لأن يرد أحد ما على هذا الهراء والتسفيه..كان يسعدنا رده على تلك "المجلة النجسة" وتطاولاتها، وحتى، على شيخ الأزهر والمفتي (المفتن) لأجل مواقفهما المهترئة المستفزّة..

وكانت هذه التحديقة، لطالما شاهدتها من أحدهم عند حديثه عن "عزة المؤمن"، وعن "القوة في الحق"، عن "عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، هذه القوة التي يظهرها لهم..نحن لسنا ضعافاً، نحن أقوياء كبلال بن رباح، إذ يحدّق في عيني معذبه قائلاً "أحدٌ أحد!"، وسنطأ صدوركم يوماً كما وطأ بلال صدر معذبه يوم بدر..
***
كنا حقيقة نطرب لما نسمع، أنا أحد من كان يطرب لسماعه، مراهق يشعر بالظلم، بكونه قد صنّف وقد أهين ما يحترمه، ظهر له يوماً من يهاجم هؤلاء الذين صنّفوه وسفّهوه وبطريقة مضحكة ساخرة، "ياللروعة! كم هو ظريف!"..كيف كنتم تظنون أن أفكر؟!
لا أظنني كنت متجاوزاً على أي حال، ففي تلك الحالة يوم يعطى سفيه كل شئ، كل المنابر، وكل الحرية، للتطاول عليك وتسفيهك والافتراء والكذب الصريح عليك، ثم أنت تجد نفسك مهدداً على أي حال، لن تكون متجاوزاً إن رددت بلسانك فأغلظت في القول!..بديهي!

لكن شيئاً ما خطأ، ثم خلل ما قد طرأ على هذه المعادلة، فبعد قليل ذابت الفوارق، وكأن بعضنا قد (نسي نفسه)، فأصبح الأسلوب الغليظ هو أسلوبه وطريقته، وصار الإغلاظ في القول هو ما يحسنه..شئ ما خطأ قد ارتكبناه، بأن يصبح بعضنا نجوماً لأنهم كرّسوا وقتهم في الرد على الآخر وادعاءاته وتسفيهه (مهما طغى وفجر)، فافتتنوا بفعلهم لاستحساننا له حتى صاروا لا يحسنون غيره، ونسوا الفرق بين من تختلف معه ومن يفتري ويكذب ويظلم، بين العاصي (أو حتى الكافر) الذي تتمنى هدايته وبين من كان حذاء ومركوباً لسلطان جائر وعصا يضربك بها..وظهر ذلك أول ما ظهر يوم وقف الدعاة لبعضهم البعض، يتصيدون لبعضهم الأخطاء ويتبادلون الردود والنقد وربما السباب أحياناً..ولم يكن هذا في نظرهم إلا (قوة في الحق)، فلن تختلف مع أحد إلا لكونك تراه على باطل، ومادام على باطل فما مزيته على غيره كي لا أجيبه كما أجيب غيره من أهل الباطل؟!

شئ ما خطأ قد ارتكبناه، يوم بحثنا عن ارضاء أنفسنا وتهدئة غضبنا والتشفي في خصومنا، وأهملنا الصبر على الظلم والأذى من الناس، فصنعنا طبقة من المشايخ والدعاة يجنون التقدير والقبول الاجتماعي بغلظة القول وسوء اللفظ،  فكانوا قدوة لبعض أغمارنا في هذا (وليس في غيره مما كان لهم فيه فضل)، وكانوا أيضا نقطة ضعف وبقعة في ثوب كان يجب أن يكون ناصعاً، استطاع منها البعض أن ينتقص كل الدعاة والمشايخ لوجود مثل هؤلاء!

كنت غافلا عن كل ما سبق، حتى استيقظت فجأة منذ شهر، أو يزيد، بعد مشاهدتي لذلك الفيديو، وتلك الصدمة عندما ترى أن بعض من احترمت في شبابك الأول قد شان نفسه أو أتاح لأحدهم أن ينتقصه، فكرت وتأملت طويلاً، وكان هذا ما وصلني، وترددت كثيراً في كتابته ونشره..

السبت، 17 نوفمبر 2012

البحر وأهله


ساحليّ بالولادة، كل مدينة قدّر لي الحياة فيها كانت ساحلية، على تعدد أسماء البحار، لكنها جميعاً متصلة، هو الماء، سطح واحد يغطي هذا الكوكب..

لأهل الساحل طابعهم الخاص، وبينهم كثير من المشترك، ليس الأمر أن تشارك صديقاً قاهرياً مائدة ليعلق بتذاكٍ عن طريقة أكل أهل الساحل للسمك، فتضحك في سرّك إذ صرت سفيراً لأهل الساحل عند صديقك الذي صار يعمم كل ما يرى منك على أهل الساحل..

ولا أن تسعد بمؤاكلة ريفي يترك لك كل (الجمبري، الروبيان، القريدس) ناظراً إليك شذراً بينما تلتهمه وحدك بكل استمتاع..

ولا أن يدعوك صديقك البدوي الأصل لمائدة من سرطانات البحر لتعلمه (كيف تؤكل هذه؟)

ولا حتى أن تنفجر ضاحكاً لتسمية فتاة جبلية الأصل سرطانات البحر بالـ(عقارب)

كل هذه مظاهر لا أكثر، صحيح أنها تعبر عن جزء هام من ثقافة أهل الساحل وعاداتهم، وأحد المشتركات بين ثقافة أهل السواحل في كل بلاد العالم، لكن ثم آثار أكبر في توجهاتهم وأفكارهم، فهم بوابات بلادهم إلى العالم، هم الأكثر انفتاحاً وأقل محافظة وأقل تعصباً، كما شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته..

هم كذلك حماة البلاد وخط دفاعها الأول دائماً، ولا سيما هم في تاريخ الاسلام، المرابطون الأبطال، وأهل الثغور، أجر شهيدهم بشهيدين من مجاهدي البر، هم الأبطال الذين سطّروا الملاحم..من حالهم ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الاسكندرية، وما عرفت به طرابلس الشام وصيتها في الجهاد، وعكا وحيفا ودمياط والسويس وبورسعيد، كما غزة تسطّر مجدها إلى اليوم منذ سنين..

هناك عند الساحل، هواء نظيف، وبشر يعتاشون على ما في البحر من كنوز، طعام وملح وتجارة وحلي، نعمة امتن الله بها على عباده لا يعرف قدرها مثل أهل الساحل..فهو سبب غنى أقوام وذل آخرين، في أصعب أيام حصار غزة، كسر الحصار بحراً، وروسيا العملاقة لا تجد سواحلاً صالحة للملاحة إلا في البحر الأسود، لتكون تحت رحمة تركيا التي تسيطر على البوسفور، وعيون العالم مصوبة على مصر، يخشى من أي توتر يعطل السير في قناة السويس، شريان العالم..لذا يعلم قادة الدول أهمية البحر كما يعلم أبناؤه..

هناك عند الساحل تمتلئ البلاد بالغرباء، يعيشون جنباً إلى جنب مع أصحاب البلاد، يبقى بعضهم ويرحل البعض، يشكلون مزيجاً ثقافياً واجتماعياً ثرياً، لطيفاً، مرحباً بالآخر دائماً، بينما تختفي، أو تكاد، بينهم القبلية والعصبية المقيتة، هم أكثر تواضعاً، لأنهم أكثر علماً، هم انفتحوا على العالم وخبروه، فلم يعيشوا وهم الشعب المختار، وقد رأوا كيف أن لكل قوم علم وفن..

وبعد، يصمهم البعض افتراءً، عن جهلٍ او حسد، فمن يخشى البحر يصف البحر بالغدر بدلاً من الاعتراف بجهله به، وكذا يوصم أهل الساحل كما وصم بيتهم، أو يوصمون لأنهم ليسوا أنقياء العرق، وكأن نقاء العرق مقصد في حد ذاته لأي سبب، أو يهملون في بعض الأقطار، ببساطة لأن الحاكم يفضل دائماً أن تكون عاصمته بين الأكثر تعصباً وحماسةً له، وهم غالباً ليسوا أهل البحر، الطموحين المتطلعين لبلاد الناس وأحوالهم، القادرين دائماً على مقارنة ما أعطاهم الحاكم وما يعطاه غيرهم في بلاد الناس..

لكن ما عليهم من كل ذاك؟..أن تكون ساحلياً، سيعلمك أن تكون كما البحر قادراً ببساطة على تجاهل كل سفاهات الآخرين، تماماً كما لا يغير ماء البحر اساءاتك ومخلفاتك، فهو أكبر من كل اليابسة، وهو من يحمل الدرّ في باطنه، وهو من لا غنى لك عنه!!