‏إظهار الرسائل ذات التسميات أماكن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أماكن. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 30 يونيو 2016

أيامنا التي كانت

ولما كنت تدخل من بابه الزجاجي، تجده في حجم دكان على غرار الدكاكين المصطفة حوله من مطاعم ومتاجر، وعلى يسارك درج صغير يوصل إلى العلية، فيما جدرانه تحوي رفوفاً متصالبة على طراز مغربي، امتلأت بما لذ وطاب من الكتب.

 في الصالة أمامك، تتناثر المقاعد الوثيرة مرحبةً بك ومغرية إياك بالجلوس، بامضاء الوقت كأنما أنت في بيتك، شئ يسير من السجاد وأصص النبات جعلت المكان مستراحا للقلب والنظر، وتلك الكوّة الواسعة المطلة على المطبخ أكملت وسائل الراحة وأغنتنا عن الخروج إلى غيره، تجدنا متى حللت فيه، نكتب، ننظّر، نقرأ، نقيم فعاليات مختلفة بأقل التكاليف ودون تعقيدات..كان مساحة تحوينا جميعاً، بميولنا وامكاناتنا المختلفة، وبلا قيود تذكر، فقط كن نفسك وتآلف مع من حولك، فصار لسنوات مقراً لنا وﻷعمالنا دون أن ينال منا جزاءً أو حتى شكوراً.

لعدة سنوات بدا لنا فيها أن المدينة التي عرفناها، بقيودها وتعقيداتها ومحدودية الخيارات فيها، قد سمحت لنا أخيراً بمتنفس، بساحة من طابقين نعبر فيهما عن دواخلنا، ونستثمر فيها فضول أوقاتنا وطاقاتنا، نلتقي بحرية، نتعارف بأشباهنا، نقضي وقتا في فعل ما نحب.

ﻻ شئ من هذا بقي، تعلم أن حديثاً يحمل كل هذا الحنين يا صديقي، هو حديث عن ماضٍ ولّى، وعن أيامنا التي كانت، قبل أن تحاصرنا قوى الظلام وغربانه السود.

الثلاثاء، 12 مارس 2013

مدينة البط


في كل مؤسسة كبرى، خاصة أو عامة، تجد في جسدها المترهل الضخم، فئة من الموظفين الذين لا داعي لهم، يعرقلون عملك بغير داع، لأجل شكليات كان يمكنك القيام بها بنفسك بدلا من الوقوع تحت رحمتهم..

يشعرونك أن ضغطة زر قد ترهقهم، أو توقيع ما لمعاملتك (إن برفض أو قبول) سيتطلب منهم عملا مضنيا لأيام وشهور..

وفوق كل هذا، فأنت محظوظ دائما إن وجدت أحدهم في مكتبه، لكن احرص يا صديقي المحظوظ، ألا تنغص عليه استراحة الشاي أو افطاره، فالرجل يتعب في عمله بما يكفي!

أولئك هم (البط)..أنتم بهم عارفون!

السبت، 17 نوفمبر 2012

البحر وأهله


ساحليّ بالولادة، كل مدينة قدّر لي الحياة فيها كانت ساحلية، على تعدد أسماء البحار، لكنها جميعاً متصلة، هو الماء، سطح واحد يغطي هذا الكوكب..

لأهل الساحل طابعهم الخاص، وبينهم كثير من المشترك، ليس الأمر أن تشارك صديقاً قاهرياً مائدة ليعلق بتذاكٍ عن طريقة أكل أهل الساحل للسمك، فتضحك في سرّك إذ صرت سفيراً لأهل الساحل عند صديقك الذي صار يعمم كل ما يرى منك على أهل الساحل..

ولا أن تسعد بمؤاكلة ريفي يترك لك كل (الجمبري، الروبيان، القريدس) ناظراً إليك شذراً بينما تلتهمه وحدك بكل استمتاع..

ولا أن يدعوك صديقك البدوي الأصل لمائدة من سرطانات البحر لتعلمه (كيف تؤكل هذه؟)

ولا حتى أن تنفجر ضاحكاً لتسمية فتاة جبلية الأصل سرطانات البحر بالـ(عقارب)

كل هذه مظاهر لا أكثر، صحيح أنها تعبر عن جزء هام من ثقافة أهل الساحل وعاداتهم، وأحد المشتركات بين ثقافة أهل السواحل في كل بلاد العالم، لكن ثم آثار أكبر في توجهاتهم وأفكارهم، فهم بوابات بلادهم إلى العالم، هم الأكثر انفتاحاً وأقل محافظة وأقل تعصباً، كما شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته..

هم كذلك حماة البلاد وخط دفاعها الأول دائماً، ولا سيما هم في تاريخ الاسلام، المرابطون الأبطال، وأهل الثغور، أجر شهيدهم بشهيدين من مجاهدي البر، هم الأبطال الذين سطّروا الملاحم..من حالهم ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الاسكندرية، وما عرفت به طرابلس الشام وصيتها في الجهاد، وعكا وحيفا ودمياط والسويس وبورسعيد، كما غزة تسطّر مجدها إلى اليوم منذ سنين..

هناك عند الساحل، هواء نظيف، وبشر يعتاشون على ما في البحر من كنوز، طعام وملح وتجارة وحلي، نعمة امتن الله بها على عباده لا يعرف قدرها مثل أهل الساحل..فهو سبب غنى أقوام وذل آخرين، في أصعب أيام حصار غزة، كسر الحصار بحراً، وروسيا العملاقة لا تجد سواحلاً صالحة للملاحة إلا في البحر الأسود، لتكون تحت رحمة تركيا التي تسيطر على البوسفور، وعيون العالم مصوبة على مصر، يخشى من أي توتر يعطل السير في قناة السويس، شريان العالم..لذا يعلم قادة الدول أهمية البحر كما يعلم أبناؤه..

هناك عند الساحل تمتلئ البلاد بالغرباء، يعيشون جنباً إلى جنب مع أصحاب البلاد، يبقى بعضهم ويرحل البعض، يشكلون مزيجاً ثقافياً واجتماعياً ثرياً، لطيفاً، مرحباً بالآخر دائماً، بينما تختفي، أو تكاد، بينهم القبلية والعصبية المقيتة، هم أكثر تواضعاً، لأنهم أكثر علماً، هم انفتحوا على العالم وخبروه، فلم يعيشوا وهم الشعب المختار، وقد رأوا كيف أن لكل قوم علم وفن..

وبعد، يصمهم البعض افتراءً، عن جهلٍ او حسد، فمن يخشى البحر يصف البحر بالغدر بدلاً من الاعتراف بجهله به، وكذا يوصم أهل الساحل كما وصم بيتهم، أو يوصمون لأنهم ليسوا أنقياء العرق، وكأن نقاء العرق مقصد في حد ذاته لأي سبب، أو يهملون في بعض الأقطار، ببساطة لأن الحاكم يفضل دائماً أن تكون عاصمته بين الأكثر تعصباً وحماسةً له، وهم غالباً ليسوا أهل البحر، الطموحين المتطلعين لبلاد الناس وأحوالهم، القادرين دائماً على مقارنة ما أعطاهم الحاكم وما يعطاه غيرهم في بلاد الناس..

لكن ما عليهم من كل ذاك؟..أن تكون ساحلياً، سيعلمك أن تكون كما البحر قادراً ببساطة على تجاهل كل سفاهات الآخرين، تماماً كما لا يغير ماء البحر اساءاتك ومخلفاتك، فهو أكبر من كل اليابسة، وهو من يحمل الدرّ في باطنه، وهو من لا غنى لك عنه!!

الخميس، 4 أكتوبر 2012

أماكن

أعيش غريباً منذ الولادة، ولدت في العالم الجديد، حيث الكل غرباء، محاط دائماً بمن يراني "آخر"..
لست مطروداً ولست لاجئاً ولست ضائعاً، ولست حتى فقيراً معدماً في بلدي، انما أرتحل ويرتحل أهلي خلف الرزق، سواء كان ذاك الرزق علماً أو مالاً أو صحبة..قدّر لنا أن تتناثر أرزاقنا في هذا العالم..بعض الناس تأتيهم أرزاقهم من حيث تناثرت، وآخرين يرتحلون وراءها..
اعتدت هذه الحياة على أي حال، حتى بتّ أتصور هذا العالم صغيراً بالنسبة لي!..عالمٌ ضيق، إلا أن العمر قصير بما لن يكفي لرؤيته كاملاً..للأسف..

لستُ كثير الأسفار على أي حال، أقيم في جدة، الحجاز، بشكل أساسي منذ أكثر من عشرين عاماً، أنتهز كل فرصة للسفر، أحب اكتشاف الجديد، لكنني أهتم أكثر بتفاصيل المكان، والبشر، لست أسافر لتسجيل النقاط، فهذه تركيا، وهذه الكويت، وهذه مصر، كطريقة كثير من السياح، انما السفر هو ذاك الحي الذي أقمت فيه، وتلك المساحة التي أحطت بها كما أحاطت بك، تلك الخطوات وحدها هي ما أضيف إليك، وليس عدد الأختام في جواز سفرك!

ربما لهذا كنت أسخر من بعض السائحين العرب قائلاً: ذهبتَ إلى اسطنبول فبقيت في شارع الاستقلال، والى القاهرة حيث شارع جامعة الدول، والى باريس لتجلس في مقاهي الشانزيليزيه، وتقيم تقريباً في سوليدير بيروت، تجلس في نفس المقهى في نفس الشارع، وفي كل مكان من هذه الأماكن كان يؤنسك مواطنوك الجالسون من حولك، ماذا كان عليك لو بقيت ببلدك في مقهاك المفضل في شارع التحلية؟..

لم أسافر من قبل في فوج سياحي، ولا أتمنى ذلك، فمهما سعدت بما سأراه في ذلك الفوج، سيظل احساسي حاضراً، بأن هناك من قرر لي أن أرى هذا، وهناك من خطط لي خط سيري، وهذه الأشياء هي تفضيلات شخص ما، لم يكن أنا بالتأكيد!..

أجمل رحلاتي هي رحلة مفاجئة، أحمل حقيبتي وأسير مع صديق لي، نتسكع ونبحث خياراتنا بأنفسنا..بعيداً عن تلك الشوارع السياحية، الاستهلاكية، المتشابهة في كل بلد إلى حد الملل، وإن كنا نمر بها ولو بدافع الفضول، آداء الواجب أوتسجيل النقاط، فقط لأجل تلك الجملة القاتلة: "لا يعقل أن تذهب إلى اسطنبول ولا ترى شارع الاستقلال".."مصري ولا تعرف شارع جامعة الدول العربية؟!"، قد تضيع يوما من نزهتك لرؤية ما نراه في كل مدينة، لا بأس على أي حال..مادام مزاجك المستقل قد أبقى لك وقتك الخاص ومشاهداتك الخاصة..

قد أكتب هنا يوماً عن رحلتي إلى آخر العالم، وقد أكتب عن حي سكنته يوماً..سأحدثكم عن الأماكن..