‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذاتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذاتي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 يوليو 2020

هل سأكتب؟

كلما مررت من هنا، تداعت الذكريات سريعاً..كيف بدأت التدوين، كيف تبدلت الحياة وتوالت السنون تباعاً، كيف انخرطت في وسط التدوين المصري، في مارس 2005، أتذكر من عرّفني بهذه الفكرة، وكان ذلك تقريباً آخر عهدي به، اتصفح المدونات القديمة (نعم، لازلت استطيع الوصول إليها!) وأستذكر الاحداث وما دعاني لكل منها..
أشتبك، كما فعل الآخرون جميعاً (تقريباً) وأخوض فيما خاضوا فيه، الحالة السياسية المصرية، وكيف كنت أكتب فيها وقتئذ، كأنما أكتب في جريدة ما، تحليلات، ملخصات، رأي..أنأى بنفسي عن قضية وأخوض في أخرى، أتذكر التعليقات ومعارك التعليقات..لقد كان الأمر مسلياً..

أتذكر أبي، ولومه لي فيما يراه مخاطرة..
وحماسي في المقابل، كيف كنت عنيداً، كأن ما أخطه هو شذرات الحكمة والعلم الذي أخذ الله ميثاقي لأبيننه للناس ولا أكتمه!
صفحة فصفحة، كلمة فكلمة، حتى جاء اليوم، أنظر خلفي، كم منها ذو قيمة اليوم؟!
مشيت الطريق لآخره، اشتبكت مع آخرين، كتبت عن هذا وذاك، واليوم أجد أن كثيراً مما كتب، خاصة في شأن السياسة، لو سلّمت بضرورته يوم أن كتب، فقد انتهت اليوم صلاحيته!

كلمة انتهت صلاحيتها قبل موت صاحبها لهي جديرة في نظري أن تسمّى هذراً..

كلماتي التي انتهت صلاحيتها على مرأى عيني حتى ما عاد لي شعور تجاهها، لا من فخر ولا خزي، لا من شفقة ولا اعتزاز..لا شئ أبداً!..تشبه الجيف الذي دفن في باحة بيتي الخلفية، لو أنني زرعتها بما هو أنفع؟
بما يبقى من بعدي، وينفع الناس؟..يكون صدقة عني جارية؟

وما عساه أن يكون؟..ماذا كنت أعرف؟ وماذا كان يسيطر علي من هم أكبر من هذا الهم الذي خضت في أمره؟ وهل كنت مصيباً فيما مضى؟..وهل أنا مصيب اليوم فيما أقول؟

هل سأكتب؟..
لا!..ليس من باب العادة، ولا ملء الفراغات ولا تسلية المجالس، وبالتأكيد، ليس للخوض مع الخائضين..

فإن رزقني الله ما أحسبه رزقاً حسناً فتح علي به، كتبته..وإلا فلأحتسب عند الله صمتي والحمد لله رب العالمين.

الخميس، 25 يونيو 2020

إلى المريخ، ذلك أفضل جداً..

اقترح علي أحد الأصدقاء أن نتطوع في المهمة الأولى لاستيطان المريخ..
هي فكرة رائعة جدا بالنسبة لي بالطبع!..نحن نتحدث عن حاجز جديد ومرة أولى، ومكان بعيد عن كل هذه الأمراض التي ملأت الأرض، صفحة بيضاء تبدأ فيها كتاباً جديدا للتاريخ الانساني..
***
كتبت هذه المسودة في آخر يناير 2013، لم يذهب أحد إلى المريخ إلى اليوم، كل البشر اليوم على الأرض يصارعون الوباء..
لم أسع لرحلة المريخ ولا خطوة، نعم هي مرة أولى، لكنها أيضاً كانت مرة وحيدة، لم يكن مخططاً للرحلة أن تعود..

الخميس، 30 يونيو 2016

لا تحاول!

- هل تعرف فيم أفكر الآن؟
"بالطبع أعرف!" أجيبه بكل ثقة!
تتعلق عيناه بي في فضول، بينما أستطرد: أنت تفكر في هذه اللحظة "كيف سيجيب سؤالي" بكل تأكيد!
أبتسم في ظفر بينما أنظر لوجهه الواجم: "لا يمكنك في هذه اللحظة بينما تنتظر اجابتي أن تفكر في شئ آخر يا صديقي!..لا تحاول الانكار"

أيامنا التي كانت

ولما كنت تدخل من بابه الزجاجي، تجده في حجم دكان على غرار الدكاكين المصطفة حوله من مطاعم ومتاجر، وعلى يسارك درج صغير يوصل إلى العلية، فيما جدرانه تحوي رفوفاً متصالبة على طراز مغربي، امتلأت بما لذ وطاب من الكتب.

 في الصالة أمامك، تتناثر المقاعد الوثيرة مرحبةً بك ومغرية إياك بالجلوس، بامضاء الوقت كأنما أنت في بيتك، شئ يسير من السجاد وأصص النبات جعلت المكان مستراحا للقلب والنظر، وتلك الكوّة الواسعة المطلة على المطبخ أكملت وسائل الراحة وأغنتنا عن الخروج إلى غيره، تجدنا متى حللت فيه، نكتب، ننظّر، نقرأ، نقيم فعاليات مختلفة بأقل التكاليف ودون تعقيدات..كان مساحة تحوينا جميعاً، بميولنا وامكاناتنا المختلفة، وبلا قيود تذكر، فقط كن نفسك وتآلف مع من حولك، فصار لسنوات مقراً لنا وﻷعمالنا دون أن ينال منا جزاءً أو حتى شكوراً.

لعدة سنوات بدا لنا فيها أن المدينة التي عرفناها، بقيودها وتعقيداتها ومحدودية الخيارات فيها، قد سمحت لنا أخيراً بمتنفس، بساحة من طابقين نعبر فيهما عن دواخلنا، ونستثمر فيها فضول أوقاتنا وطاقاتنا، نلتقي بحرية، نتعارف بأشباهنا، نقضي وقتا في فعل ما نحب.

ﻻ شئ من هذا بقي، تعلم أن حديثاً يحمل كل هذا الحنين يا صديقي، هو حديث عن ماضٍ ولّى، وعن أيامنا التي كانت، قبل أن تحاصرنا قوى الظلام وغربانه السود.

الخميس، 13 يونيو 2013

ترهات تعجبني!

منذ حوالي أسبوعين، صرت أجد في نفسي ميلا للكتابة كل صباح، أكتب مرتجلا كما أفعل الآن، وأنشر على فيسبوك ما يبدو أنه رسائل، أروي فيها خيالا وترّهات..يختلط فيها المكان والزمان وتقاتل من لم تعاصر في تفاعلات بين أطراف لم تلتق أبدا..

خلال الأسبوع الأول كانت التساؤلات تنهال علي، أحدهم يطمئن على قواي العقلية، والآخر يسخر، وآخر يجاريني ويتمادى، ممتع للغاية أن تكون مجنونا، في تلك اللحظة يباح لك أن تقول أي شئ وكل شئ، وعلى فكرة، ستجد من يصغي إليك أكثر ممن تجد عندما تتكلم بصوت العقل!

لا حد لجنون البشر!..ومن الواضح أن عليك أن تكلم هؤلاء البشر بلغاتهم!..

تجربة رائعة يبدو أنني سوف أستمر فيها لبعض الوقت..

السبت، 2 مارس 2013

كبّر دماغك!

لا تنشغل بكل ما هو حولك، كل ما تراه وتسمعه، كل هذا الضجيج من حولك لن يذكره التاريخ لاحقا في أكثر من سطرين مطلعهما: "ثم مرت مصر بفترة اضطرابات"..

اختر معركتك واغتنم الفرص الحقيقية يا صديقي، فربما تكون الفرصة مواتية لتسوّد صفحاتك الخاصة، بإسهام حضاري ما أو سيرة ذاتية مشرّفة، أو حتى موقف جاد حقيقي في معركة حق لا يستغلك فيها أحد، ولا تُحسب فيها على أحد بقدر ما يُحسب آخرون عليك..

إن أحدا ممن تراهم اليوم يملأون الهواء حولك غثاءً لا يستحق أن تحسب عليه أو أن تكون في حزبه، لا أظن أحدا يكرم نفسه يقبل بهذا الموقف ليقف فيه، الفرق بين أن تكون (أحدهم) أو أن تكون (الفتى)، كالفرق بين الثرى والثريا..

إن أسهل شئ أن تنشغل بتفاصيل هذه الأيام، نحن ببساطة نعيشها، كل ما عليك هو أن تترك نفسك للتيار الجارف من حولك، الاعلام والناس، والجدال في بيتك وعملك ومحل دراستك..يتحدث الجميع، يثيرون أعصابك، يشغلون أفكارك، تجادلهم فيجادلونك، تتطور الأمور أو لا تتطور، لكنك يوميا تعيش هذا التشتيت!

جرب ألا تشارك..لقد نجحتُ في ذلك!
ستشعر وقتها بانتصارك، خاصة إن كنت ممن تكلموا وقت كان كل هؤلاء يخشون الكلام، وأنت اليوم تصمت حيث لا أحد يريد الصمت بل ويخشاه..

تشاغل بمشروعك..الشخصي أو العام..
لست مضطرا للانشغال بما ينشغل به من حولك، هذه ليست مباراة كرة، وإن كانت فلا مبرر للانشغال بها أيضا!
ترفع عن كل هذه السفاسف، أين مشروعك وهدفك؟..
لا تضيع وقتك مع هؤلاء..سيمر كل هذا بينما هم ينتظرون من يقودهم، سيمر بينما كلهم في مكانهم لم يتقدموا قيد أنملة، أنت تعلم أن لا أحد منهم يقينا على حق، تعلم أنك لم تتيقن من حق أي منهم لتنصره..

تجاوز كل هذا وانطلق، تعلّم، أو كوّن مشروعا تجد فيه نفسك أو كن جزءا منه..فسوف تندم غدا ان قبلت بالاصطفاف مع هؤلاء..

الأربعاء، 9 يناير 2013

آلاء

ربما لم تكن الأجمل بين أترابها، لكنها من صارت إليّ وشاركتني لحظات السعادة..
بيضاء، سوداء الشعر، حلوة لكنها عنيدة..شديدة العناد..

أنا لست عصبياً، أظنني هادئ الطباع، لكن ماذا تقول في دلع النساء؟..يطير به عقل أكثر الرجال حلماً!
ربما من التجني أن أعزو عنادها لدلع النساء، فـ(الطيب)، جارها الصعيدي، كان أكثر عناداً منها، ولست متأكداً أنني سأكون ظالماً إن عزوت ذلك لكونه صعيدياً!

هي لا تجاريني!..تسايرني إلى حد ما لا تجاوزه، أحاول إغواءها، أملس غرتها، أسوي شعرها، ترتجف منتفضة ثم تعود رافعة رأسها، تأبى مجاراتي!!
أما أنا فأجن!..لم تأبى مجاراتي؟..لماذا أنا بالذات؟!

***

مساء ذلك اليوم دخلت مع صديقي طلحة إلى الاسطبل، هتف بـ علي: "انتق لهذا الفارس حصاناً جيداً"
"احضر آلاء إلى المضمار" هتف علي بالسائس..
رأيتها بينما تدخل المضمار الصغير، قال لي علي "متمرس أم تريد مساعدة؟"، أجبته أن سأركب بلا مساعدة لكن راقبني، فلست متمرساً بالفعل..

- هيا حرّك حصانك!

ألكز الفرس بقدميّ على جانبيها، تنتصب أذناها أماماً علامة الخضوع، أطقطق بلساني، في تلك الحركة المزعجة، لم تكن صورتي الذهنية عن الخيل على هذا النحو!..أطقطق لها بلساني كأنما أسحب حماراً!..ياللسخافة!

حسناً هيا بنا يا صغيرتي، هل نركض الآن؟..ألكزها مجدداً بينما تتجاهلني..
يهتف بي علي "هيا اذهب!"..أسمعها الأصوات، ألكزها، بينما هي تسير ولا تلتفت!

- تباً!..ما شأنك يا فتاة؟!..

أضرب رقبتها براحة كفي، بثنية العنان، أصرخ بها آمراً، أغضب بينما يغلب على ظني أنها تهزأ بي!
"حسناً، كن رجلاً على غيري، لا تملك من أمري شيئاً"
أنظر حائراً إلى علي، بينما أحدث نفسي بأنها ستكون المرة الأخيرة لي مع الخيل إن لم أثبت نفسي اليوم، يهتف علي "توقف!"..
أشد العنان ملجماً آلاء، بينما أنظر إليها بغضب ونفاذ صبر!
يقترب علي، في تردد يعطيني السوط "لا تضربها بشدة، اجعلها تطيعك وحسب"، أبتسم في لؤم..

أمسك السوط بيميني، أستعد، ألكزها بقدمي لتسير، ثم أدير رسغي الأيمن فتسمع آلاء خفقة السوط..وفي لحظة واحدة، صارت كأنما هي تطير فوق الأرض..أضمها بين رجليّ وأرخي لها العنان..
"يداك على مستوى وسطك، لا تجذب العنان، تناغم مع الفرس"..أتذكر تعليمات محمد في يومي الأول..
عند آخر المضمار انعطفت مائلة إلى اليسار، بينما الهواء يضرب وجهي "رباه كم هذا رائع!.."
تدور في الميدان بينما أريدها أن تسرع، أسمعها السوط مجددا بينما طرفه يضرب السرج، تزيد هي من سرعتها، تعلو أنفاسها ضابحة وتثير الغبار، يهتف بي علي "هدئ حصانك!"، أجذب عنانها فتلتجم..

عنيدة، يصلحك السوط، لكنك رائعة!..
أنزل عنها بينما أمسح رأسها ورقبتها، يسيل عرقها على يديّ، بينما أتلو "والعاديات ضبحا"..

الخميس، 18 أكتوبر 2012

صديقي العنيد

- بالمناسبة لقد عرفتُ عمن تتكلم!
ترتفع هرموناتي مستثارةً في تحدي..
أتصنع الغباء، ألتفت نحوه، "مستبعد جداً!"..أنظر إليه بعينين ضيقتين مليئتان بالشك بينما يدور رأسي، هل أدركَ ما أخفيه بالفعل؟!..
"حسناً، أود أن أعرف ما بخلدك؟!..من تظن؟"
- لا ضرورة لذلك مادمت لم تختر أن تقول إذاً..
عيناه تقولان أنه يعرف، أجيبه ألا بأس، نحن أصدقاء وليس الأمر أنني أخفي عنك، لكن مادمت تعتقد أنك تعرف، دعني أرى كيف تفكّر؟..ولو من باب المشاركة؟
- حسناً نبدأ بالحرف...
أفكر أن تباً له!..كيف عرف؟!..ما من رابطٍ منطقيٍ يمكنه أن يتوصل به لهكذا نتيجة على الإطلاق..أنظر إلى عينيه ثابت الجنان بينما لا يبدو على وجهي أي تعبير، أستحثه على الكلام قائلاً "وبعد؟..من ببالك؟!"
- ألا يكفي؟!..أول حرف!
لنصف دقيقة أو يزيد، يظل وجهي جامداً بعناد، مع تعبيراتٍ متسائلة، أنتظر الحيرة أن تطفو على وجهه دون جدوى..ثم ألتفت مطلاً إلى الخارج من نافذة سيارته..
أسأله مبتسماً: "كيف عرفت؟!"..لينفجر كلانا ضاحكين..

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

المرة الأولى

تسألني "لم تفعل ذلك؟!"
حسناً يا صديقي، هل تذكر ذلك الشغف؟..خطواتك الأولى، تفعل هذا الأمر لأول مرة، أمر ما طالما نظرت لمن يفعلونه باعجاب وتمنيت أن تكون مكانهم..أنت اليوم بطل المشهد!
هل تذكر هذه الفرحة؟..عندما امتلكت لأول مرة ما حلمت طويلاً بامتلاكه، صرت سعيداً به، تلتفت نحوه، تتحسسه كلما مرت برهة من الوقت.

هل تذكر المرة الأولى التي حملت فيها مفتاح منزل والديك؟..كيف شعرت بكونك بالغاً موضع ثقة؟
هل تذكر أول ساعة يد امتلكتها؟..أول هاتف محمول؟..هل تذكر كم قضيت من الوقت تعبث به؟
هل تذكر أول صلاة؟..أول رمضان تصومه؟..
أول راتب تستلمه في أول وظيفة؟..أول مرة قدت فيها السيارة؟

يغيب هذا الاحساس لاحقاً باعتياد ما تفعل، تألفه بطبيعة الحال، ويصبح تكراره في أحسن الأحوال، جزءاً من الروتين لا تلقي له بالاً..تبحث عن الجديد، ثم تنتشي بتجربته، ثم تألف ما سبب لك هذه النشوة، لتبحث عن غيره..

أودى هذا الشعور بحياة الكثيرين، فبحثاً عن هذا الشغف، سقط البعضُ من الطائرات، أكل بعضَهم الوحوشُ والكواسر، أدمن بعضهم المخدرات، غرقَ بعضُهم في البحار، وقُتِل آخرون في معارك مختلفة التوصيف..انهم هؤلاء المغامرين الذين لم يتوقفوا أبداً عن اختراق الحجب، تجربة الجديد كان هدفهم ولم يوقفهم أي شئ، هم ماتوا كما يموت الناس، هم غالباً نادمون على بعض تجاربهم الآن، ربما كان يجدر بكثير منهم أن يتحلى بشئ من التعقل..

لكنك يا صديقي على النقيض، رغم قدرٍ من روح المغامرة تحليتَ به، تقل مع الوقت خياراتك، لتجد أنك رغم كل ما جربته في هذه الحياة، تقف الآن سئماً، تبحث عن أي جديد..والحقيقة التي ربما لا تخفى عليك وإن كنت تنساها، أن ما لم تجربه أكثر بكثير مما جربته، لكنك حددت أفكارك في محيطك الخاص، والذي ربما يكون أضيق مما تتصور!

وما بين الموت والحياة، والخطر والسلامة، تحتار..وتقف حائراً أمام أسئلةٍ تتكرر في كل موقف: هل يستحق الأمر مخاطرة؟..
وبين أن تموت جاهلاً بعد وقتٍ ما تأمل أن يبلغه أجلك، أو احتمال ما -كبر أو صغر- لموتك الآن بينما تتعلم..تتوقف!!..لتتساءل عن قيمةِ ما سوف تتعلم من هذه التجربة..

والحقيقة أن أجلك المكتوب لن يقدم موعده تهور ولن يؤخره تخاذل، لكنك إما أن تموت عارفاً، مجرباً، بطلاً إن شئت..أو تموت سئماً، وربما تموت سأماً، بعد حياة مملة عشت فيها شيخاً لم يتمتع بحكمة الشيوخ لأنه أحجم عن تجارب الشباب..

يا صديقي، أنا أفعل ذلك لأنني أفضّل الموت على الهرم..

الخميس، 4 أكتوبر 2012

أماكن

أعيش غريباً منذ الولادة، ولدت في العالم الجديد، حيث الكل غرباء، محاط دائماً بمن يراني "آخر"..
لست مطروداً ولست لاجئاً ولست ضائعاً، ولست حتى فقيراً معدماً في بلدي، انما أرتحل ويرتحل أهلي خلف الرزق، سواء كان ذاك الرزق علماً أو مالاً أو صحبة..قدّر لنا أن تتناثر أرزاقنا في هذا العالم..بعض الناس تأتيهم أرزاقهم من حيث تناثرت، وآخرين يرتحلون وراءها..
اعتدت هذه الحياة على أي حال، حتى بتّ أتصور هذا العالم صغيراً بالنسبة لي!..عالمٌ ضيق، إلا أن العمر قصير بما لن يكفي لرؤيته كاملاً..للأسف..

لستُ كثير الأسفار على أي حال، أقيم في جدة، الحجاز، بشكل أساسي منذ أكثر من عشرين عاماً، أنتهز كل فرصة للسفر، أحب اكتشاف الجديد، لكنني أهتم أكثر بتفاصيل المكان، والبشر، لست أسافر لتسجيل النقاط، فهذه تركيا، وهذه الكويت، وهذه مصر، كطريقة كثير من السياح، انما السفر هو ذاك الحي الذي أقمت فيه، وتلك المساحة التي أحطت بها كما أحاطت بك، تلك الخطوات وحدها هي ما أضيف إليك، وليس عدد الأختام في جواز سفرك!

ربما لهذا كنت أسخر من بعض السائحين العرب قائلاً: ذهبتَ إلى اسطنبول فبقيت في شارع الاستقلال، والى القاهرة حيث شارع جامعة الدول، والى باريس لتجلس في مقاهي الشانزيليزيه، وتقيم تقريباً في سوليدير بيروت، تجلس في نفس المقهى في نفس الشارع، وفي كل مكان من هذه الأماكن كان يؤنسك مواطنوك الجالسون من حولك، ماذا كان عليك لو بقيت ببلدك في مقهاك المفضل في شارع التحلية؟..

لم أسافر من قبل في فوج سياحي، ولا أتمنى ذلك، فمهما سعدت بما سأراه في ذلك الفوج، سيظل احساسي حاضراً، بأن هناك من قرر لي أن أرى هذا، وهناك من خطط لي خط سيري، وهذه الأشياء هي تفضيلات شخص ما، لم يكن أنا بالتأكيد!..

أجمل رحلاتي هي رحلة مفاجئة، أحمل حقيبتي وأسير مع صديق لي، نتسكع ونبحث خياراتنا بأنفسنا..بعيداً عن تلك الشوارع السياحية، الاستهلاكية، المتشابهة في كل بلد إلى حد الملل، وإن كنا نمر بها ولو بدافع الفضول، آداء الواجب أوتسجيل النقاط، فقط لأجل تلك الجملة القاتلة: "لا يعقل أن تذهب إلى اسطنبول ولا ترى شارع الاستقلال".."مصري ولا تعرف شارع جامعة الدول العربية؟!"، قد تضيع يوما من نزهتك لرؤية ما نراه في كل مدينة، لا بأس على أي حال..مادام مزاجك المستقل قد أبقى لك وقتك الخاص ومشاهداتك الخاصة..

قد أكتب هنا يوماً عن رحلتي إلى آخر العالم، وقد أكتب عن حي سكنته يوماً..سأحدثكم عن الأماكن..

السبت، 29 سبتمبر 2012

نصر الشناوي

لم أكن أريد أن أكون متوقعاً إلى هذا الحد!
أن أروي عن أبي قبل أن أروي عن غيره من الوجوه، أمر متوقع جداً بالطبع، لكنه الأوفق بالتأكيد..
فقرب العهد به ورحيله عن عالمنا هو سبب، والسبب الآخر هو أن ما سوف أرويه عنه، سيفسر كثيراً مما سأرويه عن غيره!

بالطبع، فالأب هو النموذج الأول لكل طفل، عما يجب أن يكون عليه الرجل، وما يجب أن يكون عليه عندما يبلغ مبلغ الرجال، وهكذا كان أبي لي.
أنا أول أولاده، ابنه الأكبر، رأيته في الثلاثينيات من عمره عندما كنت طفلاً، كان شاباً لا يزال، رياضياً مفتول الساعدين، يعرف كل شئ، كاعتقاد أي طفل عن أبيه..لكنني حقيقة أرى اليوم، كم كنت محظوظاً بأب يعرف ما عرفه أبي، رغم أنني أعلم أنه لم يكن يعرف كل شئ كما ظننت يوماً!

يأخذ الفتى عن أبيه فكرة عامة عن الحياة، منها ينطلق ولا ينفك عنها إلى مماته، كما يأخذ عنه شيئاً من سمته وسلوكه، إن أكثر ما يذكرني بأبي هو أنا، تصرفاتي العفوية، يقلد صديق لي طريقة كلامي ممازحاً، فأجده يكرر بيديه حركة طالما رأيت أبي يؤديها في نقاشاته الجدية، وفي وقت أقع تحت ضغط ما أجد نفسي أكرر عبارات قالها، وانفعالاته..

كذلك فأثره واضح جدًا لي في كثير من مواقفي اليوم، أبرزها اتجاهي للقضية الفلسطينية ودعمها، يسألني الناس، لم أنت مهتم بهذه القضية؟..أسرد كل ما لدي من حجج فأجدها معروفة ولا حاجة لسردها!..ولا رد لديهم عليها أيضا لكنهم يسألون..وقتها أعرف أن الأمر فقط، هو أنهم لم يحظوا بما حظيت به!..

دعني أقول لك يا صديقي، وبغض النظر عن تمرد الأبناء الدائم، تحت شعار (لن أعيش في جلباب أبي)..إلا أنك -يا فتى- تحاكي جلباب أبيك في كثير من سماته، يوم تفصّل جلبابك الخاص!..وإن لم تفعل، فقد قصّر أبوك في حقك ولا شك!


أفكر أحياناً، أسأل نفسي "ما أهم ما فعله أبي لي؟"، فأجد كثير من التصرفات يمكن اختصارها في "صحبته لي منذ الصغر"..
اصطحابه لي لممارسة رياضة الصباح، مع أصدقائه الـ(كبار)..
اصطحابه لي إلى مجالس الرجال، عضواً مشاركاً كأي أحد منهم..
قراءتي لكتبه ومجلاته الجادة منذ صغري، نقاشه لي الذي لم يكن يمانع أن يلعب فيه دور المتعلم أحياناً، فيسألني في المسألة أو يطلب مني أن أبحث له في أمرها..
عندما أنظر خلفي أتساءل، هل فعل ذلك لأن أحداً علمه أثر هذا الأمر تربوياً؟..أم أنه فخر الوالد الفطري والطبيعي بأبنائه؟


ان أكثر ما أنا ممتن له هو هذه الصحبة، أذكر كيف كان يوقظني في صباحات بعض الأيام باكراً، لأركض معه في الشارع، أو لنذهب سوياً إلى ملعب الكرة حيث كان يلعب، لاحقاً، تمردت على صحبة أبي كما يفعل كل مراهق، ابتعدت بقدر ما، لم أحب كرة القدم، فبحثت عن ألعابي الرياضية الخاصة بي، شجعني أبي، وربما انضم هو إلي، وبحثت عن أتراب لي، لكنني إذ أنظر ورائي أجد أنني يوم اتخذت لنفسي صحبة، صرت وإياهم كصحبة أبي وأصحابه!

لم ألعب لعبته لكنني ألعب كما لعب، لم أصادق أصدقاءه لكن اخترت صداقة من يشبهونهم، لم أصبح هو، لكنني -بكل فخر- ابنه!

مخطئ ذلك الذي قال (إن كبر ابنك خاويه)..كلا يا سيدي، لا تنتظر حتى يكبر، إذا كبر فسوف يتمرد عليك، أدرك صداقته منذ صغره!
عرف أبي ذلك، فكم أنا محظوظ!

قامت ثورة 25 يناير ولأبي ثلاث أبناء شباب، في ثلاث مدن من مدن العالم الواسع، لكن كل واحد منهم نزل إلى ميدان مدينته بلا اتفاق بينهم ولا تشاور ولا استئذان، وكان من نصيب الأصغر أن يكون في ميدان التحرير..هم ثلاث أبناء، إن كان فيهم من الخير شئ اشتركوا فيه، فمن زرعه هو رجل واحد..
رحمة الله عليه..

الجمعة، 17 أغسطس 2012

نهاية وبداية

الليلة الأخيرة، أو ربما الساعات الأخيرة، من رمضان..
وأهم أحداثه هذه السنة، بالنسبة لي، هو وفاة والدي رحمه الله عليه، وأنني سوف أستقبل العيد دونه.

لا أذكر من قال لي يوما: "يعيش الانسان طفلا، حتى إذا مات أبويه شاخ فجأة"..لا أعلم ان كان صدق، لكن التغير الشديد الذي يطرأ على الانسان يجعل هذه المقولة حاضرة في ذهني بينما أتكلم..

عانى رحمه الله كثيرا وتألم، لكنه كان صابرا كالجبل، مع ذلك كنا ننتظر شفاءه، كان قد تماثل للشفاء فيما نرى، وكان يجمعنا حوله، فالنهاية قريبة فيما يرى..وما من نهايات انما هي مراحل..

أن تكون حزينا..

مع اقتراب الفجر تلح علي الأفكار والصور..
"اتصل بالدكتور يا أحمد، أبوك تعبان ومش عارفة أعمل ايه"..
ضغط الدم غير مقاس..
محاولات لتركيب محلول الملح تفشل دائما..
طلب الاسعاف..
أحمله إلى السيارة مع المسعفين، أنظر إلى وجهه من فوق كتفي، أراه هادئا كأنما لا يعنيه شئ..
"وحدك تأتي معي"..
CODE BLUE
يخرجني مسؤول الأمن من غرفة الانعاش..
"لا يبدو الوضع جيدا، يمكننا مواصلة الانعاش إلى مالا نهاية، لكن إذا لم يستجب في نصف ساعة فلن يستجيب، ونحن نقوم بذلك منذ ساعة ونصف!"
أذان الفجر..
"البقاء لله"..

هكذا يختطف الموت البشر إذا..تكون غافلا عنه، ناسيا له..حتى إذا ألم بك تجاهلت كل علامات الاحتضار، هكذا كان حالي أنا معه..صامت تماما في حضرته، لكن رأسي يمتلئ بالصراخ..
"عن أي شئ يتحدثون؟..مجرد انخفاض في الضغط، هل عجزتم أيضا عن اعطائه محلول الملح؟!"

أستأذن الطبيب داخلا إلى الوالد لألقي نظرة، لا يبدو لي ميتا..ليس إلا أن أوقظه!..أناديه فلا أعرف صوتي..أحاول أن أكلمه فأصمت..
يخرجني الطبيب، يطلب مني الجلوس قليلا ثم احضار أوراقه الثبوتية لانهاء الاجراءات..

بطريقة ما أنتقل إلى البيت وأنا أحمل الجبل على رأسي..
"ماذا أفعل؟".."كيف أعود بدونه؟".."ماذا سأقول؟"

أن تكون راضيا..

"فإن مع العسر يسرا"
لا أظن كربا قد مر بي يوما بهذا الثقل..لكن الله أعانني ولطف بي حتى رضيت..

أن تؤدي أمانة أبيك، فتدفنه كما أوصى، ومع أول فرض صلاة، وتغسله وتلحده بيديك كما أوصاك، عن غير خبرة سابقة بما تفعل، وتتفتح لك كل الأبواب المغلقة في كل مكان، ويسهل لك الجميع آداء مهمتك كأنما هي تؤدى عنك..
يطيعك أكثر الناس تسلطا، ولا يستوقفك أكثرهم تعنتا، الطرق مفتوحة، وكل أحد وشئ يعاونك..

تحمل أباك فكأنما هو محمول عنك، لقد كان ثقيلا، منذ شهرين حملته بينما كان فاقدا الوعي، لم أستطع تحريكه واضطررت للوقوف حتى أفاق، يومها تطير جنازته من فوق أكتافنا وما نحن إلا أسباب، لكنها حملت عنا..

تغسله بنفسك كما أراد، لا يدخل إليه غيري وأخي ومغسل أمين جزاه الله عنا خير الجزاء..فتراه نائما لا أكثر، تطيبه بالمسك والكافور، وتضعه في ثلاثة أكفان..

أن تظلك غيمة بعد تلقي العزاء عند المقبرة، وتطمئن أمك بمرأى المقبرة، أن تعود وقد أديت ما عليك لهذا اليوم، لتدعو الله أن يعينك فيما هو آت كما أكرمك اليوم..

كل هذا لا تغفل عنه في حزنك..فالحمد لله..

أن تكون ممتنا..

"إن مع العسر يسرا"
ترك لك أبوك الذكر الحسن، ومحبة الناس..يأتونك جماعات، ليعزوك ويؤازروك، يعرضون خدماتهم بود صادق، ولا تمر أيام حتى يعتمر عنه العشرات من أصدقائك وأصدقائه ومحبيه..

تسمع الثناء عليه والشهادة له بالصلاح وحسن السيرة، يأتيك من لم يعرف في حياته لكنهم جاؤوا لما سمعوا من حسن سيرته أو مما فعل من خير عاد عليهم يوما ما..

لا يترك الأب لأبنائه خيرا من ذلك، حتى سخر الله الخضر لأبناء العبد الصالح..لتكن ممتنا..

وإنا لفراقك لمحزونون..

لا زلت أوقف السيارة قريبا لباب البيت ربما يود أبي الخروج..
لا زلت أفكر كلما رأيت صيدلية "هل طلب شيئا؟"
لا زلت أنتظر موعد الإبرة..
لا زلت أتوهم أنه يناديني أحيانا، أو أن رنين هاتفي هو نداء منه..
وعندما يمر بي موقف ما، أفكر "ماذا سيقول أبي؟"..

***

نحن الآن بانتظار العيد، أو اليوم الأخير من رمضان، وفي الحالين أوصيكم بالدعاء، كل عام وانتم بخير..
والحمد لله رب العالمين..

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

وجوه

فكرة طالما راودتني: أن أكتب عن الأشخاص..
ربما لم أفعل ذلك من قبل، وربما لا أود فعله الآن، وربما أود الحديث عن هذه الرغبة أكثر مما أود انفاذها..
كثيرا ما ألتقي بشخصيات، أجد فيها ما يدفعني للتفكير، والتوقف طويلا لتأمل هذا الانسان، أحاول تقمص دوره، استعارة عقله، قد لا يعجبني تفكيره (ليس بالضرورة)، لكنني أجد فيه قصة ما، والعبرة دائما واحدة: نحن أبناء بيئاتنا، ظروفنا وزمننا، كل منا نسيج متفرد لا يتكرر..

الاثنين، 14 مايو 2012

نعم، أتغير...

من قبيل الصدفة وجدت سلسلة قد بدأت منذ أيام للدكتور سلمان العودة، بدأت بحلقة عن التغير الذي يعتري البشر..واستعرت عنواني من وسمه الأول..
قُل لِمَن يَبكي عَلى رَسمٍ دَرَس واقِفاً ما ضَرَّ لَو كانَ جَلَس
هكذا سخر أبو نواس من امرؤ القيس، في قوله (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)..يبدو لي أبو نواس أهوجاً لا يقدّر جلال اللحظة والوقفة!

تلك الوقفة التي يقفها كل منا لينظر لما وراءه، لن ترى بعيدا إن كنت جالسا يا أبا نواس!..قف لتنظر إلى كل ما وراءك يا رجل!..كل ما فاتك وكل ما ضيعت..انظر كيف كنت جاهلا، وكيف أصبحت اليوم.

إن وقفت هذه الوقفة بصدق، فصدقني، لن تكون اليوم أبدا مسكونا بالثقة، إذا رأيت كل أخطاء الماضي، والتي ارتكبتها بكل ثقة واصرار وكل ما دافعت عنه بثقة عمياء، فلا شك يا صديقي أنك تعلم أنك -لا تزال- نفس الشخص، وموقفك الجديد قد لا يختلف في صوابه وخطئه كثيرا عن كل هذه السفاهات التي دافعت عنها قديما!

هل كانت الثقة تريحك؟..ربما!..فذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم، كما قال المتنبي، والراحة ليست مما يتمتع به أصحاب العقول، فالعقل ميزة يتمتع بها الانسان، وهذا الانسان قد خلق في كبد!
مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائما، أما الحكماء فتملؤهم الشكوك - برتراند راسل
ربما لذلك تجد دائما، ذلك الفارغ المنتمي إلى عصر فاشل، يقف منتصب الهامة ويعطي الوعود بلا حساب، تعلم أنه لن يفعل، يتكلم عن انجازاته السابقة في عصر لو كان فيه انجاز لما وقف اليوم مثل هذا الموقف أصلا، وعوده وهمية كانجازاته وحججه أتفه من أن تناقش، لكنه قادر على التبجح بها طوال الوقت!..تعلم يا صديقي عمن أتكلم، لا تتصنع البراءة،  ولا أظن أحدا يرى ما أراه يريد أن يكون مثل هذا الشخص..

لذلك توقف وانظر لما خلفك، انك في مأزق حقيقي يا صديقي إن لم تمتلئ بالشك، كم شخص كان مثلا يحتذى في حياتك سقط؟..كم شخص كان في عينك نجما، انطفأ؟
كم فكرة دافعت عنها منذ ثلاث سنوات، صرت تراها اليوم سطحية سفيهة؟..كم تصرف كنت لتفعله منذ خمس سنوات، صرت اليوم تراه سخافة؟..
كم شخص كنت تستمع إليه كالتلميذ، صرت اليوم ترى ما يقوله (غير مفيد) أو (لا جديد فيه)؟

لا تخطئ خطئي بتحريك رأسك موافقا لكلامي بينما لا تشعر بما أقول فعلا!!..هكذا فعلت أنا في أول مرة قيل لي هذا الكلام!
اقلق يا رجل، أنت الآن على مفترق طرق، إذا كنت تشعر بما أقول، وانتابك الفزع وأنت تنظر وراءك وتستعرض ما جرى وكيف كنت، فانتبه ألا ضمان لك بأن لا يكون عقلك الجديد -أيضا- سطحيا، سفيها خاطئا، لا تكن واثقا اليوم كثقتك في نفسك أول مرة، فلا زلت نفس الشخص يا صديقي، لا تزال نفس هذا الانسان..أما إن كنت لا تشعر بهذا الفزع فمصيبتك أعظم!!..ماذا تعلمت من سنوات عمرك إذاً وأي تغيير أحدثته فيك الأيام؟!

افترض الآن يا صديقي أنك قد وصلت إلى حالة من ثلاث، كلها غير مريحة، سامحني لم أحذرك قبل القراءة، عمداً، حتى لا تعيش بسلام..

فأما الحالة الأولى: أنني دفعتك للتشكك أخيرا، ورغم أنني هدمت سلامك الداخلي، إلا أنك ربما ممتن، هكذا أشعر تجاه من فعلوا بي هذا ولا تسألني عن التفسير، ولا تسألني ان كنت الآن على الطريق الصحيح..

وأما الثانية أن أكون قد أعدتك إلى شكك القديم، شك في شكك يا صديقي..هل تغيرنا إلى الأفضل فعلا أم إلى الأسوأ؟
هل ظلمنا من أسقطناهم من حساباتنا؟..هل تكلموا بالصدق فرفضناه اتباعا للهوى؟..
وإن كنا على صواب، هل من نوليهم ثقتنا اليوم وأحطنا أنفسنا بهم، على صواب أيضا؟
هل ما نسخر من سطحيته اليوم هو صائب في بساطته؟..هل نحن نضلل أنفسنا بالتعمق؟..لا تغتر بعمق فكرتك (إن كانت عميقة بالفعل)، وانتبه، فقد لا تدرك عيناك الفرق بين فكرة عميقة وفكرة عقيمة..

إنك لست حكيما -بالضرورة- يا صديقي المتشكك، فكل حكيم متشكك، وليس كل متشكك حكيم، لكنك بالضرورة في مأزق، كما هم كل الناس..

وأما الثالثة، أنك تتمنى قتلي، حتى لا أقول هذا ثانية، وليبقى عالمك بسلام لا ينغص صفوه أمثالي، معسكرك كبير على أي حال فلا تتعب نفسك بمهمة قد يقوم بها عنك ألف ألف واحد..والسلام..

الجمعة، 11 مايو 2012

أهلا بكم مجددا..

أعود إلى التدوين بعد انقطاع طويل، لم أكن أنوي العودة في الواقع، يتسرع الانسان كثيرا، يخطئ كثيرا، ينظر خلفه فيجد بعض ما كتبه يرضيه لا يزال، والبعض الآخر كان مفتقرا إلى النضج، أو العمق، فأقول لو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت لما تسرعت بهذا الكلام..
لا أعدكم بعودة أفضل، فالواقع أنني عدت رغم أن كل ما جعلني أتوقف لا يزال قائما، أحتاج إلى الكثير، لا شك لدي في ذلك، لكنني بكتابتي أحرق المراحل واختصر المسافات على نفسي، في عملية التعلم وتنظيم الأفكار، لا يكفيك مجرد التأمل في الهواء، فالفكرة مالم تصطدها، تقيدها مكتوبة، وتعرضها للنقد والرد، تظل ضلالات وأوهام..وما أكثرها اليوم..
لكن حالي اليوم أفضل، لا أظن أنني سأعود لبكائيات الأمس، وحسرتنا من نظام يبيعنا ويتمنن علينا، لقد سقط، فالمنطقي أن حديثنا اليوم (بوصفي واحد من قومي) صار ذو قيمة أكبر، تسعدني تلك الفكرة وتشجعني على العودة، لكن شبكات التواصل الاجتماعي تقوم بهذا الغرض تماما، فيما تترك لي سلبية واحدة، هي تشتت الأفكار والغرق في المعلومات أكثر من اللازم..
سأعود إلى هنا كلما أردت أن أكتب (القصة الكاملة) كما أراها، كل معلوماتي، وبنائي المنطقي، ما أعرفه وكيف أربط بين عناصرها، أشاركها مجددا، وأفتح صفحة جديدة، عفا الله عما سلف :)