السبت، 5 يناير، 2013

امتهان

لفظة دارجة في أكثر من سياق، لطالما تأملت في أمرها، وكيف اجتمع هذا المعنى بذاك!

في لسان العرب، مادة "مهن"، نجد:
"المَهْنَة والمِهْنَة والمَهَنَة والمَهِنَةُ كله الحذق بالخدمة والعمل ونحوه"
(والتشكيل من موقع الورّاق)
وفي نفس المادة:
"وامْتَهَنْتُ الشيء: ابتذلته. ويقال: هو في مِهْنةِ أَهله، وهي الخدمة والابتذال"
وآخر المادة:
"وقال أَبو إِسحق: هو فَعيل من المَهانةِ وهي القِلَّة، قال: ومعناه ههنا القلة في الرأْي والتمييز. ورجل مَهِينٌ من قوم مُهَناء أَي ضعيف. وقوله عز وجل: خُلِقَ من ماءٍ مَهينٍ؛ أَي من ماء قليل ضعيف."
 وكل شئ وعمل وأحد، هو معرّض للامتهان بمعانيه المختلفة، لا جديد في ذلك بالطبع، لكن ماذا عندما تمتهن الأفكار والقيم وحتى المشاعر؟
عندما تمتهن القضايا الكبرى، الثورة، والرياضة، وحتى الفن والأدب..كيف يكون الأمر؟..وكيف يكون بلا امتهان؟!

نقول: التخصص مطلوب للاتقان، وامتهان العمل والتفرغ له، وأن يكون مصدر دخلك، هو سبب للتوسع فيه ومنحه قسماً أكبر من وقتك وجهدك وحرصاً أكبر على الاتقان، كل هذا صادق وحقيقي، ولا أظن أحداً يجادل فيه..

إلا أن لذلك المتقن المتفرّغ وجهاً آخر، فممتهن العمل يسعى لرضاء مشتري عمله، فإن كان حداداً، صنع ما يحتاجه الناس ويرضيهم جودته ليشتروه، وإن كان نجاراً جوّد عمله ليطلبه الناس ويدفعوا له، وكذا، يكون مع الفنان والكاتب وحتى الداعية، فكثيراً ما يتماشى مع رغبة الناس وما يرضيهم، ذلك لأنه (امتهن) الفن أو الكتابة أو الدعوة..

لقد وقعنا -حقيقة- بين خيارين أحلاهما مر، في نمط حياتنا الحالي:
فداعية (امتهن) الدعوة، فهو يملك أدواتها حقيقة، يجيدها، لكنه لم يتصدر المشهد يوم تطلب منه كلمة حق خوفاً، أو مالأ الظَلَمة طمعاً..وهو في الأغلب يمالئ جمهوره، يسمعه ما يرضيه حتى لا ينفضّوا عنه إن أسمعهم رأياً غريباً ينكرونه..
أوداعية يقتطع من وقته وقوته ليحاول الإصلاح حقيقة بما يراه الحق، لكنه لا يجد طريقاً لضيق وقته أو قلة مهارته..

وفنان (امتهن) فنه، وتفرغ له ولتطوير أدواته وعمله، تسخّر له الامكانات وترصد له الأموال ليخرج عمله جميلاً، مبهراً..لكنه صار يعمل حسب توجهات (السوق) مهما كانت، فهذه الأموال لا ترصد له عبثاً!
أو فنان مخلص لفنه قد استغنى عما يدرّه من دخل ولا يسعى فيه إلا لأن يكون معبراً عنه..يختطف من زخم الحياة ساعة، ليعبر فيها عن نفسه ويمارس ما يحب، فإن عرض له أمر ما يتعلق بأمر معيشته قدمه وأعطاه الأولوية..

قل نفس الشئ عن الثوري والمناضل والحقوقي والأحزاب السياسية وحتى المقاتلين أحياناً، قل نفس الشئ عن الكتاب والأدباء، قل نفس الشئ عن كل من امتهنوا القضايا الكبرى، نحن اليوم غالباً مخيرون بين البراعة والإبهار، أو الصدق مع الفقر..

 اننا -بهذا الشكل- نمتهن جميعاً هذه الدنيا، ونموت بعد أن نمل ابتذالها الذي ابتذلناه لها..لا بد من طريق وسط، ولا شك أننا إن وجدناه ستعود لهذه الشعوب حيويتها وقدرتها على الإبداع..