الأحد، 17 فبراير، 2013

لو كنت أنا رئيس!

عنوان مقتبس من أغنية لو كنت أنا أمير..

لا أقول بأنني أشتاق للأيام الخوالي، لا أعادها الله..لكنها مع ذلك، كانت هي تلك الأيام التي كنت أخوض نقاشات السياسة فيها بكل سهولة وراحة ضمير وثقة، حتى التشكك في النيات كنت أمارسه بثقة وراحة ضمير وما كان يعاتبني فيه أحد!
بالطبع، فوضوح الخارطة وسهولة تحديد الصواب من الخطأ كانت مزية تمتعت بها في الأيام الخوالي، تلك الأيام التي رأيت فيها كل من لم يقر بفساد وفشل المنظومة القائمة، هو متعام يتعامى خوفا أو طمعا، وكان الأمر بكل بساطة أننا بلينا بنظام شرير أفاك ارتكب كل الموبقات!

كانت الثورة خطوة أساسية هامة، لكنها لما نكأت كيس الصديد جعلت محتوياته تتناثر في كل اتجاه، ولما كان كبيرا، كانت الفوضى كبيرة..وكان الحذر لمن يعز عليه حرفه أن يزل، أمرا أساسيا وضروريا، اذ زادت المساحة الرمادية والموازنات بشكل غير مسبوق!

الواقع أنه منذ أزاحت الثورة النظام السابق، حتى بدأنا نناقش التفاصيل: تلك الأشياء الصغيرة والجزئيات التي حان وقتها الآن، طفت على السطح بعدما كنا في العهد السابق نناقش الكليات والمبادئ، فمثلا بعد أن هتف الجميع في الميدان "عيش، حرية، كرامة إنسانية"، بدأ كل اليوم يعرض تصوره عما يوفر العيش، والحرية، والكرامة، ولأن إيمان كل منا برؤيته يجعلها في نظره "الحل الحتمي"، صار من يخالف تصور كل طرف لهذه المعاني خائنا للثورة ومبادئها.

أكثر من هذا، أن الانقسام قد طرأ داخل كل تيار أيضا وبشكل منفصل، مثلا، بدأ الاسلاميون أيضا بنقاش التفاصيل، والجزئيات، بعد أن كان كل المطلب هو تطبيق الشريعة، اختلفوا اليوم في كيف ومتى، واختلفوا أيضا في (من) يقوم بذلك وأجدر به!

والأمر ليس متعلقا بالمناهج الموجودة منذ عهود سبقت، اخوان وسلفيون إلى آخر ذلك، انما طرأت الانقسامات داخل كل تيار، شباب متململ أو يحمل رؤى تخالف الشيوخ، خرجوا أو اعتزلوا، حتى ظهر لنا العديد من الاحزاب السلفية، وشكل العديد ممن خرجوا من الاخوان كياناتهم السياسية، وغيرهم من المجموعات..
وحتى الاسلاميين، سعوا بنفس منطق (خيانة الثورة) الى اعتبار بعضهم غير اسلاميين بشكل كاف، أو بالشكل الصحيح، لما اختلفوا حول التفاصيل.

الأمر ينطبق أيضا على التيارات العلمانية من ليبراليين ويسار على السواء، وإن بشكل أقل، اذ ما زالوا محصورين في الكليات الى حد ما، بسبب رجحان كفة الاسلاميين أمامهم سياسيا..

أما المثير للسخرية فهو أن من بدا كونهم متماسكين في جبهة واحدة منذ ازاحة النظام السابق، هم مؤيدي النظام السابق، على اختلاف أسبابهم وتصوراتهم، إذ حصروا هم في الكليات وصارت حالة تبادل أدوار سريعة، هم اليوم يتحدثون عن ثورة!
الأمر يذكرني بوحدة صراع المتناقضات، لقد كان صاحب هذه النظرية عبقريا!

وكل طرف، من هذه الفسيفساء، لديه قائمة طويلة من (الأشرار)، كانوا يوما ما ربما في خندقه، لكنهم جميعا حادوا عن (أهداف الثورة) طبعا..وبقي وحده صامدا..كما تعلمون بالتأكيد..

هذه الثقة التي يتحدث بها الجميع، والأحكام المطلقة التي يصدرها كل واحد بكل ثقة، فتحت الباب لكثير من المعارك الوهمية، وكثير من الجدل، حتى صارت (مكلمة) لا معنى لها!..خاصة وأن الشجاعة اليوم لم تعد عملة نادرة كالسابق، كما تعلمون..

الواقع أنني اتمنى حقيقة أن (أعيش دور) المواطن الذي يترك عنه القلق بشأن السياسة، يشاهد البرامج الترفيهية بدلا من الأخبار، يكتب النكات على مواقع التواصل الاجتماعي، يشارك صور نزهاته، وعلاقته بالسياسة هي أنه يحاسب حكومته كل دورة انتخابية على النتائج.

أنا لست رئيسا للجمهورية -والحمد لله- لأتحمل كل ما يتحمله هو من ضغط عصبي بلا طائل، أنا مواطن، مهتم بما يهم المواطن: النتائج!

لكنني لا أستطيع أبدا أن أمنع نفسي من التفكير دائما: ماذا لو كنت رئيسا؟!
بالتأكيد، كنت سأركز على النتائج، على احداث فرق في حياة الناخب، بأي صورة من الصور، إن الانجاز هو ما يعطي النظام شرعية قد تغلب أحيانا على شرعية الحق، والحقيقة أن قليلا من الناس من قد يهتم بمن عين مرسي في مجلسه الاستشاري، أو أنه أنجز دستورا مدنيا او دينيا، أو كم عضو من الاخوان في التشكيل الوزاري، قليل من الناس من سيهتم، لو تغيرت حياة الناس قبل الانتخابات القادمة..

لو سعد الناس بالنتائج الاقتصادية مثلا فلن يسألوا: (أي سياسة اقتصادية سلكتها الحكومة لتسهيل حياتنا بهذا الشكل؟)..(هل دعموا العرض؟..بئسا!..هذه حكومة رأسمالية تحابي رجال الأعمال!)..(هل دعموا الطلب؟..ياللسخافة، ألا يزال الاشتراكيين أحياء؟!)..وفي الغالب سيقول هذا من هم على مقاعد المعارضة، بينما يهزأ بهم الناس، الراضون..

أما لو سخطوا على النتائج ولم ترضهم فسوف يقفز الجميع على مقاعد التحليل السياسي والاقتصادي: (هذه نهاية حكومات رجال الأعمال، دعم العرض يعني تغول المنظومة الرأسمالية ومزيدا من امتصاص دماء الـ.....)..(هذه نهاية افراغ الخزائن والتبذير الحكومي ووضع الأموال في أيدي الموظفين، تزيد الحكومة العلاوات فيزيد الطلب على السلع فتزيد الأسعار وتظل حياتنا ضنكا كما هي، لماذا دعموا الطلب بدلا من ايجاد وفرة في السلع بدعم العرض؟)

والواقع أن المسألة برمتها يمكن انجازها بكلا السياستين وبحسن التقدير، ونفس ما تذم به سياسة حكومة ما فشلت، تمدح به حكومة أخرى نجحت، فالحقيقة أن كل التنظير الذي يملأ الفراغ حولنا لا معنى له، لا معنى للحكم على كل خطوة وفتح جبهات المعارك لدى كل كلمة!..فالنتائج النهائية تعتمد على الخطة الكاملة لا على مفردات هذه الخطة كل على حدى..

مؤخرا، صرت أشعر أن الجميع يلعب في الطين، كل هذا عبث لا أكثر، فالواقع أن السلطة لم تستطع تسويق نفسها للشعب، وكذا المعارضة عارضتها في سفاسف وتفاصيل بلا معنى، ثم افتُعلت المعارك وتدهورت الأوضاع بلا طائل..كل هذا حول تفاصيل أكثر منه أمور جذرية حقيقية..

الواقع أنه لو صارت السلطة في يد أي كان ممن يطرحون أنفسهم على الساحة، سيعاد نفس السيناريو بذات مآسيه ومعاركه، ولو تغير النظام لأجل تفصيلة واحدة مرة، سيتغير ألف مرة لألف تفصيلة..فالواقع أنه ما من مشاريع حكم ولا رؤى متعارضة في الشارع تتصادم التيارات لاقرار أحدها..انما فقاعات فارغة تنفجر ليحل أحدها محل الآخر..

ممتن أنا لأنني مواطن، والحمد لله أنني لست الرئيس..