الأحد، 17 فبراير 2013

لو كنت أنا رئيس!

عنوان مقتبس من أغنية لو كنت أنا أمير..

لا أقول بأنني أشتاق للأيام الخوالي، لا أعادها الله..لكنها مع ذلك، كانت هي تلك الأيام التي كنت أخوض نقاشات السياسة فيها بكل سهولة وراحة ضمير وثقة، حتى التشكك في النيات كنت أمارسه بثقة وراحة ضمير وما كان يعاتبني فيه أحد!
بالطبع، فوضوح الخارطة وسهولة تحديد الصواب من الخطأ كانت مزية تمتعت بها في الأيام الخوالي، تلك الأيام التي رأيت فيها كل من لم يقر بفساد وفشل المنظومة القائمة، هو متعام يتعامى خوفا أو طمعا، وكان الأمر بكل بساطة أننا بلينا بنظام شرير أفاك ارتكب كل الموبقات!

كانت الثورة خطوة أساسية هامة، لكنها لما نكأت كيس الصديد جعلت محتوياته تتناثر في كل اتجاه، ولما كان كبيرا، كانت الفوضى كبيرة..وكان الحذر لمن يعز عليه حرفه أن يزل، أمرا أساسيا وضروريا، اذ زادت المساحة الرمادية والموازنات بشكل غير مسبوق!

الأربعاء، 9 يناير 2013

آلاء

ربما لم تكن الأجمل بين أترابها، لكنها من صارت إليّ وشاركتني لحظات السعادة..
بيضاء، سوداء الشعر، حلوة لكنها عنيدة..شديدة العناد..

أنا لست عصبياً، أظنني هادئ الطباع، لكن ماذا تقول في دلع النساء؟..يطير به عقل أكثر الرجال حلماً!
ربما من التجني أن أعزو عنادها لدلع النساء، فـ(الطيب)، جارها الصعيدي، كان أكثر عناداً منها، ولست متأكداً أنني سأكون ظالماً إن عزوت ذلك لكونه صعيدياً!

هي لا تجاريني!..تسايرني إلى حد ما لا تجاوزه، أحاول إغواءها، أملس غرتها، أسوي شعرها، ترتجف منتفضة ثم تعود رافعة رأسها، تأبى مجاراتي!!
أما أنا فأجن!..لم تأبى مجاراتي؟..لماذا أنا بالذات؟!

***

مساء ذلك اليوم دخلت مع صديقي طلحة إلى الاسطبل، هتف بـ علي: "انتق لهذا الفارس حصاناً جيداً"
"احضر آلاء إلى المضمار" هتف علي بالسائس..
رأيتها بينما تدخل المضمار الصغير، قال لي علي "متمرس أم تريد مساعدة؟"، أجبته أن سأركب بلا مساعدة لكن راقبني، فلست متمرساً بالفعل..

- هيا حرّك حصانك!

ألكز الفرس بقدميّ على جانبيها، تنتصب أذناها أماماً علامة الخضوع، أطقطق بلساني، في تلك الحركة المزعجة، لم تكن صورتي الذهنية عن الخيل على هذا النحو!..أطقطق لها بلساني كأنما أسحب حماراً!..ياللسخافة!

حسناً هيا بنا يا صغيرتي، هل نركض الآن؟..ألكزها مجدداً بينما تتجاهلني..
يهتف بي علي "هيا اذهب!"..أسمعها الأصوات، ألكزها، بينما هي تسير ولا تلتفت!

- تباً!..ما شأنك يا فتاة؟!..

أضرب رقبتها براحة كفي، بثنية العنان، أصرخ بها آمراً، أغضب بينما يغلب على ظني أنها تهزأ بي!
"حسناً، كن رجلاً على غيري، لا تملك من أمري شيئاً"
أنظر حائراً إلى علي، بينما أحدث نفسي بأنها ستكون المرة الأخيرة لي مع الخيل إن لم أثبت نفسي اليوم، يهتف علي "توقف!"..
أشد العنان ملجماً آلاء، بينما أنظر إليها بغضب ونفاذ صبر!
يقترب علي، في تردد يعطيني السوط "لا تضربها بشدة، اجعلها تطيعك وحسب"، أبتسم في لؤم..

أمسك السوط بيميني، أستعد، ألكزها بقدمي لتسير، ثم أدير رسغي الأيمن فتسمع آلاء خفقة السوط..وفي لحظة واحدة، صارت كأنما هي تطير فوق الأرض..أضمها بين رجليّ وأرخي لها العنان..
"يداك على مستوى وسطك، لا تجذب العنان، تناغم مع الفرس"..أتذكر تعليمات محمد في يومي الأول..
عند آخر المضمار انعطفت مائلة إلى اليسار، بينما الهواء يضرب وجهي "رباه كم هذا رائع!.."
تدور في الميدان بينما أريدها أن تسرع، أسمعها السوط مجددا بينما طرفه يضرب السرج، تزيد هي من سرعتها، تعلو أنفاسها ضابحة وتثير الغبار، يهتف بي علي "هدئ حصانك!"، أجذب عنانها فتلتجم..

عنيدة، يصلحك السوط، لكنك رائعة!..
أنزل عنها بينما أمسح رأسها ورقبتها، يسيل عرقها على يديّ، بينما أتلو "والعاديات ضبحا"..

السبت، 5 يناير 2013

امتهان

لفظة دارجة في أكثر من سياق، لطالما تأملت في أمرها، وكيف اجتمع هذا المعنى بذاك!

في لسان العرب، مادة "مهن"، نجد:
"المَهْنَة والمِهْنَة والمَهَنَة والمَهِنَةُ كله الحذق بالخدمة والعمل ونحوه"
(والتشكيل من موقع الورّاق)
وفي نفس المادة:
"وامْتَهَنْتُ الشيء: ابتذلته. ويقال: هو في مِهْنةِ أَهله، وهي الخدمة والابتذال"
وآخر المادة:
"وقال أَبو إِسحق: هو فَعيل من المَهانةِ وهي القِلَّة، قال: ومعناه ههنا القلة في الرأْي والتمييز. ورجل مَهِينٌ من قوم مُهَناء أَي ضعيف. وقوله عز وجل: خُلِقَ من ماءٍ مَهينٍ؛ أَي من ماء قليل ضعيف."
 وكل شئ وعمل وأحد، هو معرّض للامتهان بمعانيه المختلفة، لا جديد في ذلك بالطبع، لكن ماذا عندما تمتهن الأفكار والقيم وحتى المشاعر؟
عندما تمتهن القضايا الكبرى، الثورة، والرياضة، وحتى الفن والأدب..كيف يكون الأمر؟..وكيف يكون بلا امتهان؟!

نقول: التخصص مطلوب للاتقان، وامتهان العمل والتفرغ له، وأن يكون مصدر دخلك، هو سبب للتوسع فيه ومنحه قسماً أكبر من وقتك وجهدك وحرصاً أكبر على الاتقان، كل هذا صادق وحقيقي، ولا أظن أحداً يجادل فيه..

إلا أن لذلك المتقن المتفرّغ وجهاً آخر، فممتهن العمل يسعى لرضاء مشتري عمله، فإن كان حداداً، صنع ما يحتاجه الناس ويرضيهم جودته ليشتروه، وإن كان نجاراً جوّد عمله ليطلبه الناس ويدفعوا له، وكذا، يكون مع الفنان والكاتب وحتى الداعية، فكثيراً ما يتماشى مع رغبة الناس وما يرضيهم، ذلك لأنه (امتهن) الفن أو الكتابة أو الدعوة..

لقد وقعنا -حقيقة- بين خيارين أحلاهما مر، في نمط حياتنا الحالي:
فداعية (امتهن) الدعوة، فهو يملك أدواتها حقيقة، يجيدها، لكنه لم يتصدر المشهد يوم تطلب منه كلمة حق خوفاً، أو مالأ الظَلَمة طمعاً..وهو في الأغلب يمالئ جمهوره، يسمعه ما يرضيه حتى لا ينفضّوا عنه إن أسمعهم رأياً غريباً ينكرونه..
أوداعية يقتطع من وقته وقوته ليحاول الإصلاح حقيقة بما يراه الحق، لكنه لا يجد طريقاً لضيق وقته أو قلة مهارته..

وفنان (امتهن) فنه، وتفرغ له ولتطوير أدواته وعمله، تسخّر له الامكانات وترصد له الأموال ليخرج عمله جميلاً، مبهراً..لكنه صار يعمل حسب توجهات (السوق) مهما كانت، فهذه الأموال لا ترصد له عبثاً!
أو فنان مخلص لفنه قد استغنى عما يدرّه من دخل ولا يسعى فيه إلا لأن يكون معبراً عنه..يختطف من زخم الحياة ساعة، ليعبر فيها عن نفسه ويمارس ما يحب، فإن عرض له أمر ما يتعلق بأمر معيشته قدمه وأعطاه الأولوية..

قل نفس الشئ عن الثوري والمناضل والحقوقي والأحزاب السياسية وحتى المقاتلين أحياناً، قل نفس الشئ عن الكتاب والأدباء، قل نفس الشئ عن كل من امتهنوا القضايا الكبرى، نحن اليوم غالباً مخيرون بين البراعة والإبهار، أو الصدق مع الفقر..

 اننا -بهذا الشكل- نمتهن جميعاً هذه الدنيا، ونموت بعد أن نمل ابتذالها الذي ابتذلناه لها..لا بد من طريق وسط، ولا شك أننا إن وجدناه ستعود لهذه الشعوب حيويتها وقدرتها على الإبداع..

الأحد، 23 ديسمبر 2012

من أعمالكم..

يصلني رابط فيه فيديو ممنتج لأحد المشهورين بالدعوة، امتلأ الفيديو بالسباب والخطاب الهجومي، جمع من كلامه على مدى أشهر وربما سنوات، منذ بدأ هذا الداعية اعتماد أسلوب التدوين المرئي، أشاهد الفيديو في أسف، أضحك في بؤس لأقول: "من أعمالكم سلط عليكم"
***
يحدّق الرجل في الكاميرا بشكل حاول أن يكون مخيفاً، فخرجت النتيجة مضحكة، أنا أعرف جيداً فيم يفكر، لقد مررت بكل هذا من قبل، لقد نال من مراهقتي مساحة كبيرة، في ذلك الوقت عندما كان الاسلاميون طرفاً مستضعفاً قد تسلط عليه ضغط نفسي وأمني كبير، سخرية وتسفيه وتهم تفرد لها ساعات طويلة في قنوات الاعلام وصفحات من المجلات والمطبوعات الرسمية وشبه الرسمية، فيما لا مجال يترك للرد، في هذه الحالة، وعندما كنا بهذه النفسية المأزومة، كان يرضينا أن نسمع من يرد قولهم، ويسفه عقولهم، ولم يكن لدينا إلا منابر الدعاة والمشايخ، ثم تسجل أقوالهم في شرائط الكاسيت، وتحول إلى ملفات رقمية تصبّر هؤلاء الشباب على ما يلاقون من أذى، يصبّرهم لا شك أن يسمعوا هذا الرجل يهزأ بتلك النسوة الجالسات بملابس غير محتشمة ليتحدثن في سفاهة في أمر "التين" (الدين)، ويرد على ادعاءاتهن التي لم تكن تستحق الرد أصلاً، لولا أن مشاعرنا قد تأذت فاحتجنا لأن يرد أحد ما على هذا الهراء والتسفيه..كان يسعدنا رده على تلك "المجلة النجسة" وتطاولاتها، وحتى، على شيخ الأزهر والمفتي (المفتن) لأجل مواقفهما المهترئة المستفزّة..

وكانت هذه التحديقة، لطالما شاهدتها من أحدهم عند حديثه عن "عزة المؤمن"، وعن "القوة في الحق"، عن "عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، هذه القوة التي يظهرها لهم..نحن لسنا ضعافاً، نحن أقوياء كبلال بن رباح، إذ يحدّق في عيني معذبه قائلاً "أحدٌ أحد!"، وسنطأ صدوركم يوماً كما وطأ بلال صدر معذبه يوم بدر..
***
كنا حقيقة نطرب لما نسمع، أنا أحد من كان يطرب لسماعه، مراهق يشعر بالظلم، بكونه قد صنّف وقد أهين ما يحترمه، ظهر له يوماً من يهاجم هؤلاء الذين صنّفوه وسفّهوه وبطريقة مضحكة ساخرة، "ياللروعة! كم هو ظريف!"..كيف كنتم تظنون أن أفكر؟!
لا أظنني كنت متجاوزاً على أي حال، ففي تلك الحالة يوم يعطى سفيه كل شئ، كل المنابر، وكل الحرية، للتطاول عليك وتسفيهك والافتراء والكذب الصريح عليك، ثم أنت تجد نفسك مهدداً على أي حال، لن تكون متجاوزاً إن رددت بلسانك فأغلظت في القول!..بديهي!

لكن شيئاً ما خطأ، ثم خلل ما قد طرأ على هذه المعادلة، فبعد قليل ذابت الفوارق، وكأن بعضنا قد (نسي نفسه)، فأصبح الأسلوب الغليظ هو أسلوبه وطريقته، وصار الإغلاظ في القول هو ما يحسنه..شئ ما خطأ قد ارتكبناه، بأن يصبح بعضنا نجوماً لأنهم كرّسوا وقتهم في الرد على الآخر وادعاءاته وتسفيهه (مهما طغى وفجر)، فافتتنوا بفعلهم لاستحساننا له حتى صاروا لا يحسنون غيره، ونسوا الفرق بين من تختلف معه ومن يفتري ويكذب ويظلم، بين العاصي (أو حتى الكافر) الذي تتمنى هدايته وبين من كان حذاء ومركوباً لسلطان جائر وعصا يضربك بها..وظهر ذلك أول ما ظهر يوم وقف الدعاة لبعضهم البعض، يتصيدون لبعضهم الأخطاء ويتبادلون الردود والنقد وربما السباب أحياناً..ولم يكن هذا في نظرهم إلا (قوة في الحق)، فلن تختلف مع أحد إلا لكونك تراه على باطل، ومادام على باطل فما مزيته على غيره كي لا أجيبه كما أجيب غيره من أهل الباطل؟!

شئ ما خطأ قد ارتكبناه، يوم بحثنا عن ارضاء أنفسنا وتهدئة غضبنا والتشفي في خصومنا، وأهملنا الصبر على الظلم والأذى من الناس، فصنعنا طبقة من المشايخ والدعاة يجنون التقدير والقبول الاجتماعي بغلظة القول وسوء اللفظ،  فكانوا قدوة لبعض أغمارنا في هذا (وليس في غيره مما كان لهم فيه فضل)، وكانوا أيضا نقطة ضعف وبقعة في ثوب كان يجب أن يكون ناصعاً، استطاع منها البعض أن ينتقص كل الدعاة والمشايخ لوجود مثل هؤلاء!

كنت غافلا عن كل ما سبق، حتى استيقظت فجأة منذ شهر، أو يزيد، بعد مشاهدتي لذلك الفيديو، وتلك الصدمة عندما ترى أن بعض من احترمت في شبابك الأول قد شان نفسه أو أتاح لأحدهم أن ينتقصه، فكرت وتأملت طويلاً، وكان هذا ما وصلني، وترددت كثيراً في كتابته ونشره..

السبت، 17 نوفمبر 2012

البحر وأهله


ساحليّ بالولادة، كل مدينة قدّر لي الحياة فيها كانت ساحلية، على تعدد أسماء البحار، لكنها جميعاً متصلة، هو الماء، سطح واحد يغطي هذا الكوكب..

لأهل الساحل طابعهم الخاص، وبينهم كثير من المشترك، ليس الأمر أن تشارك صديقاً قاهرياً مائدة ليعلق بتذاكٍ عن طريقة أكل أهل الساحل للسمك، فتضحك في سرّك إذ صرت سفيراً لأهل الساحل عند صديقك الذي صار يعمم كل ما يرى منك على أهل الساحل..

ولا أن تسعد بمؤاكلة ريفي يترك لك كل (الجمبري، الروبيان، القريدس) ناظراً إليك شذراً بينما تلتهمه وحدك بكل استمتاع..

ولا أن يدعوك صديقك البدوي الأصل لمائدة من سرطانات البحر لتعلمه (كيف تؤكل هذه؟)

ولا حتى أن تنفجر ضاحكاً لتسمية فتاة جبلية الأصل سرطانات البحر بالـ(عقارب)

كل هذه مظاهر لا أكثر، صحيح أنها تعبر عن جزء هام من ثقافة أهل الساحل وعاداتهم، وأحد المشتركات بين ثقافة أهل السواحل في كل بلاد العالم، لكن ثم آثار أكبر في توجهاتهم وأفكارهم، فهم بوابات بلادهم إلى العالم، هم الأكثر انفتاحاً وأقل محافظة وأقل تعصباً، كما شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته..

هم كذلك حماة البلاد وخط دفاعها الأول دائماً، ولا سيما هم في تاريخ الاسلام، المرابطون الأبطال، وأهل الثغور، أجر شهيدهم بشهيدين من مجاهدي البر، هم الأبطال الذين سطّروا الملاحم..من حالهم ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الاسكندرية، وما عرفت به طرابلس الشام وصيتها في الجهاد، وعكا وحيفا ودمياط والسويس وبورسعيد، كما غزة تسطّر مجدها إلى اليوم منذ سنين..

هناك عند الساحل، هواء نظيف، وبشر يعتاشون على ما في البحر من كنوز، طعام وملح وتجارة وحلي، نعمة امتن الله بها على عباده لا يعرف قدرها مثل أهل الساحل..فهو سبب غنى أقوام وذل آخرين، في أصعب أيام حصار غزة، كسر الحصار بحراً، وروسيا العملاقة لا تجد سواحلاً صالحة للملاحة إلا في البحر الأسود، لتكون تحت رحمة تركيا التي تسيطر على البوسفور، وعيون العالم مصوبة على مصر، يخشى من أي توتر يعطل السير في قناة السويس، شريان العالم..لذا يعلم قادة الدول أهمية البحر كما يعلم أبناؤه..

هناك عند الساحل تمتلئ البلاد بالغرباء، يعيشون جنباً إلى جنب مع أصحاب البلاد، يبقى بعضهم ويرحل البعض، يشكلون مزيجاً ثقافياً واجتماعياً ثرياً، لطيفاً، مرحباً بالآخر دائماً، بينما تختفي، أو تكاد، بينهم القبلية والعصبية المقيتة، هم أكثر تواضعاً، لأنهم أكثر علماً، هم انفتحوا على العالم وخبروه، فلم يعيشوا وهم الشعب المختار، وقد رأوا كيف أن لكل قوم علم وفن..

وبعد، يصمهم البعض افتراءً، عن جهلٍ او حسد، فمن يخشى البحر يصف البحر بالغدر بدلاً من الاعتراف بجهله به، وكذا يوصم أهل الساحل كما وصم بيتهم، أو يوصمون لأنهم ليسوا أنقياء العرق، وكأن نقاء العرق مقصد في حد ذاته لأي سبب، أو يهملون في بعض الأقطار، ببساطة لأن الحاكم يفضل دائماً أن تكون عاصمته بين الأكثر تعصباً وحماسةً له، وهم غالباً ليسوا أهل البحر، الطموحين المتطلعين لبلاد الناس وأحوالهم، القادرين دائماً على مقارنة ما أعطاهم الحاكم وما يعطاه غيرهم في بلاد الناس..

لكن ما عليهم من كل ذاك؟..أن تكون ساحلياً، سيعلمك أن تكون كما البحر قادراً ببساطة على تجاهل كل سفاهات الآخرين، تماماً كما لا يغير ماء البحر اساءاتك ومخلفاتك، فهو أكبر من كل اليابسة، وهو من يحمل الدرّ في باطنه، وهو من لا غنى لك عنه!!

الخميس، 18 أكتوبر 2012

صديقي العنيد

- بالمناسبة لقد عرفتُ عمن تتكلم!
ترتفع هرموناتي مستثارةً في تحدي..
أتصنع الغباء، ألتفت نحوه، "مستبعد جداً!"..أنظر إليه بعينين ضيقتين مليئتان بالشك بينما يدور رأسي، هل أدركَ ما أخفيه بالفعل؟!..
"حسناً، أود أن أعرف ما بخلدك؟!..من تظن؟"
- لا ضرورة لذلك مادمت لم تختر أن تقول إذاً..
عيناه تقولان أنه يعرف، أجيبه ألا بأس، نحن أصدقاء وليس الأمر أنني أخفي عنك، لكن مادمت تعتقد أنك تعرف، دعني أرى كيف تفكّر؟..ولو من باب المشاركة؟
- حسناً نبدأ بالحرف...
أفكر أن تباً له!..كيف عرف؟!..ما من رابطٍ منطقيٍ يمكنه أن يتوصل به لهكذا نتيجة على الإطلاق..أنظر إلى عينيه ثابت الجنان بينما لا يبدو على وجهي أي تعبير، أستحثه على الكلام قائلاً "وبعد؟..من ببالك؟!"
- ألا يكفي؟!..أول حرف!
لنصف دقيقة أو يزيد، يظل وجهي جامداً بعناد، مع تعبيراتٍ متسائلة، أنتظر الحيرة أن تطفو على وجهه دون جدوى..ثم ألتفت مطلاً إلى الخارج من نافذة سيارته..
أسأله مبتسماً: "كيف عرفت؟!"..لينفجر كلانا ضاحكين..

السبت، 13 أكتوبر 2012

أعصابكم أيها الثوار!!

يقرر الرئيس دعوة مجلس الشعب للانعقاد، تحتج الدستورية وتنصب المكلمة في الاعلام، ينزل مؤيدوا الرئيس إلى الشارع..
ثم يتراجع الرئيس..
يقرر الرئيس تعيين النائب العام سفيرا بالخارج، يحتج من القضاة من يحتج، ينزل مؤيدو القرار ومعارضو الرئيس إلى الشارع، معركة تنصب في ميدان التحرير ويلعب السيد النائب دور المتأهب للشهادة بحديثه عن الاغتيال..
وبعد اجتماع مطول يتراجع الرئيس!

كم درس نحتاج لنتعلم أن تأييد موقف سياسي ما يجب أن يعطى حجمه الصحيح؟
لأي شئ كان الجرحى وخسائر الأمس؟..بغض النظر عن الموقف السياسي، فكل ما يحدث في الميدان يتحمله الثوار المتصارعين اليوم، أنتم تقتتلون على لعبة سياسية حلها يكون في الأروقة والغرف المغلقة..وليس في الميدان..

هل يظن أحد أنه لو أن الاخوان احتلوا ليلة أمس ميدان التحرير لكانت نتيجة اجتماع اليوم مختلفة؟..قطعا لا!..بكل تأكيد!
***
يؤسفني تكرار تراجع الرئيس أمام القضاء، وإن كان ذلك لا يعيب أبدا من حيث الأصل، لكنني كنت اتمنى أن تكون مواقف الرئاسة قائمة على أرض صلبة أكثر، لنؤيدها بثقة أكبر..لكن ربما للرئيس حساباته، ربما يصدر هذه القرارات لتحريك الماء الراكد، لاجبار الهيئة القضائية على الاجتماع به والتفاوض، لأي سبب كان..لكن السؤال هو: ما الداعي للتغطية على ما يفعله الرئيس بهذا الصخب في الشارع؟!

أليس الأجدر بكل هذه القوى أن توفر جهدها ودمها؟..ألا تعتقد هذه القوى المتصارعة من الجانبين أن لجماهيرها طاقة محدودة، وأن طول الصراع العبثي في الشارع بلا طائل لن يؤدي في النهاية إلا إلى انفضاض الجماهير من حولها؟!